القاهرة – وكالات: تواجه العائلات في الريف المصري أزمة غير مسبوقة جراء الندرة الحادة في المقابر وارتفاع أسعار الأراضي المخصصة للدفن. تضرب هذه الأزمة القرى التي لا تمتلك ظهيراً صحراوياً بشكل مباشر، مما جعل تأمين مدفن كريم حلماً صعب المنال للعديد من الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.
تشهد أسعار القبور قفزات جنونية مدفوعة بصرامة قوانين حماية الرقعة الزراعية ومنع البناء خارج الأحوزة العمرانية المعتمدة. تسببت هذه الإجراءات الصارمة في تحويل المقابر إلى سلعة نادرة يسيطر عليها سماسرة الأراضي والوسطاء في مختلف الأقاليم.
صراع القوانين يلهب سوق المقابر في المحافظات
تستند الإدارات الزراعية في المحافظات إلى قانون البناء الموحد وقوانين حماية الرقعة الزراعية لمنع أي محاولات جديدة للبناء. يحرر مسؤولو الزراعة محاضر تبوير وتعدٍ ضد الأهالي الذين يحاولون إنشاء مدافن خاصة لعائلاتهم، حتى وإن كانت الأرض بوراً تقع داخل نطاق مدافن قديمة.
أكد خبراء في التخطيط العمراني أن هذا الوضع التشريعي المتداخل أدى إلى إثقال كاهل المواطنين اقتصادياً بصورة تفوق طاقتهم. يرى الخبراء أن غياب التخطيط المسبق لاحتياجات السكان من المقابر أسهم في تفاقم المشكلة وتحويلها إلى سوق سوداء غير رسمية.
تجاوزت أسعار بناء المقبرة المكونة من أربع عيون حاجز نصف مليون جنيه في بعض قرى محافظة الدقهلية ودمياط. تفرض هذه التكاليف الباهظة أعباءً مالية ضخمة توازي الاستثمار في المعادن الثمينة التي تتأثر بتقلبات مستمرة.
تتابع الأسر الريفية بقلق هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع تذبذب أسعار الذهب محلياً، مما يدفع المواطنين للمقارنة بين تكلفة بناء القبر وقيمة المدخرات العائلية.
أوضح متعاملون في السوق العقاري المحلي أن تكلفة إنشاء عين واحدة في مدافن الدلتا باتت تعادل قيمة شراء كميات من الذهب من عيار 21 الأكثر شعبية، مما يبرز حجم العبء المالي المترتب على الوفاة.
البحث عن مخارج قانونية وبدائل مبتكرة للأزمة
لجأت بعض العائلات في قرى محافظة دمياط إلى حلول استثنائية لمواجهة ندرة الأراضي من بينها تشييد مقابر متعددة الطوابق. يهدف هذا الأسلوب المعماري الجديد إلى استغلال المساحات الرأسية لدفن الموتى، للتغلب على التعقيدات القانونية المرتبطة بالتوسع الأفقي.
طالب خبراء قانونيون بضرورة تدخل مجلس النواب لصياغة إطار تشريعي موحد ومتكامل ينظم عملية تخصيص وبناء المقابر في القرى. يقترح الخبراء ضرورة استحداث منصات رقمية متكاملة تتيح للمواطنين إتمام المعاملات بيسر تام، على غرار تفعيل الخدمات الإلكترونية التي سهلت حجز الخدمات العامة الأخرى.
تأمل الأسر في الريف المصري أن تدرج الحكومة احتياجات القرى من المقابر ضمن مشروعات التطوير الريفي الكبرى مثل مبادرة حياة كريمة. يهدف هذا المطلب الإنساني العاجل إلى توفير أماكن دفن آمنة وقانونية، تنهي معاناة آلاف المواطنين وتمنع تحول الموت إلى أزمة اقتصادية معقدة.