الرياض – رويترز: سجلت أسواق الذهب في المملكة العربية السعودية، اليوم الأربعاء 21 يناير 2026، مستويات قياسية تاريخية لم يسبق لها مثيل، مدفوعة بزلزال سعري عالمي دفع المعدن الأصفر لتجاوز حاجز 4800 دولار للأونصة لأول مرة في تاريخ التداولات. وتعيش أسواق الرياض وجدة والدمام حالة من الترقب الحذر مع اقتراب سعر جرام الذهب عيار 24 من حاجز الـ 600 ريال سعودي، وهو رقم كان يعد ضرباً من الخيال قبل عامين فقط. يأتي هذا الصعود الصاروخي وسط موجة من عدم اليقين الجيوسياسي والطلب الهائل من البنوك المركزية، مما يعيد تشكيل خريطة المدخرات والاستثمار لدى المواطنين والمقيمين في المملكة، ويضع قطاع المجوهرات أمام تحديات وفرص استثنائية في آن واحد.
التفاصيل: قفزة تاريخية في أسواق المملكة وتجاوز التوقعات
شهدت تداولات الصباح في أسواق الذهب السعودية، ولا سيما في “سوق الثميري” بالرياض و”أسواق اليمامة” بجدة، حركة غير اعتيادية مع افتتاح الشاشات العالمية على فجوات سعرية صاعدة. وبحسب بيانات التداول الفورية ليوم الأربعاء 21 يناير 2026، قفز سعر جرام الذهب عيار 24 (الخام) ليلامس مستويات 586.76 ريال سعودي (ما يعادل 156.47 دولار)، مسجلاً زيادة ملحوظة مقارنة بإغلاق الأسبوع الماضي. هذا الارتفاع لم يقتصر على الذهب الخام، بل انعكس فوراً على أسعار المشغولات الذهبية، حيث وجد المستهلكون أنفسهم أمام تسعيرة جديدة للمصنعية ترفع التكلفة النهائية للجرام الواحد إلى ما فوق 650 ريالاً في بعض العلامات التجارية الفاخرة.
وفي التفاصيل الدقيقة لحركة العيارات الأكثر شعبية، سجل الذهب عيار 21، المفضل لدى الأسرة السعودية للمناسبات والزينة، سعراً دار حول 513.42 ريال سعودي للجرام الواحد. هذا المستوى السعري يضع ضغوطاً حقيقية على مبيعات التجزئة للمجوهرات المتوسطة، حيث باتت تكلفة “الطقم” المتوسط تتجاوز عشرات الآلاف من الريالات. ويشير تجار الجملة في المملكة إلى أن هذه القفزة جاءت استجابة فورية لصعود الأونصة العالمية إلى مستويات 4870 دولار، وهو ارتباط وثيق يعكس كفاءة السوق السعودي في عكس المتغيرات العالمية لحظياً دون فجوات زمنية تذكر.
اللافت في تداولات اليوم هو الطلب المتزايد على “الذهب الاستثماري” ممثلاً في السبائك والعملات (الجنيهات)، على حساب المشغولات الذهبية. ويرصد مراسلو “رويترز” تحولاً في سلوك المستهلك السعودي الذي بات يرى في الذهب مخزناً للقيمة أكثر من كونه أداة للزينة في ظل تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية عالمياً. وقد نفدت بعض أوزان السبائك الصغيرة (10 جرام و20 جرام) من بعض المتاجر الكبرى في الساعات الأولى من التداول، مما يعكس حالة من “الذعر الشرائي” الإيجابي بهدف التحوط ضد التضخم المستقبلي المتوقع.
الخلفية: لماذا يشتعل الذهب عالمياً وصدى ذلك في الرياض؟
لفهم ما يحدث في السوق السعودي اليوم، يجب النظر إلى الصورة الأكبر في الاقتصاد الكلي العالمي لعام 2026. المحرك الرئيسي لهذا الصعود الجنوني هو السياسات النقدية العالمية والتطورات الجيوسياسية التي دفعت المستثمرين للهروب إلى الملاذات الآمنة. التقارير الصادرة من “وول ستريت” تشير إلى أن البنوك المركزية الكبرى، بما فيها بنك الشعب الصيني وبنوك مركزية أوروبية، قد زادت من وتيرة شرائها للذهب بأرقام قياسية خلال الربع الأخير من 2025 وبداية 2026، مما خلق شحاً في المعروض المادي للذهب (Physical Gold) مقابل طلب ورقي متزايد في بورصات العقود الآجلة.
محلياً، يلعب استقرار الريال السعودي وارتباطه بالدولار دوراً مزدوجاً. فمن ناحية، يحمي هذا الارتباط المستثمر السعودي من تقلبات سعر الصرف، ولكن من ناحية أخرى، فإن أي ضعف للدولار عالمياً أو تضخم في العملة الأمريكية ينعكس فوراً ارتفاعاً في سعر الذهب المقوم بالريال. وعلاوة على ذلك، تساهم “رؤية المملكة 2030” التي تركز على قطاع التعدين في زيادة الوعي بأهمية المعادن النفيسة. الاستثمارات السعودية الضخمة في مناجم الذهب الجديدة في الدرع العربي تعطي رسائل إيجابية حول مستقبل هذا المعدن، مما يعزز الثقة المحلية في اقتنائه كأصل استراتيجي طويل الأمد.
عامل آخر لا يمكن إغفاله هو التوقعات الاقتصادية لعام 2026، والتي تشير إلى احتمالية خفض أسعار الفائدة الأمريكية بشكل حاد لمواجهة تباطؤ النمو العالمي. تاريخياً، الذهب والفائدة يسيران في خطين متعاكسين؛ فكلما انخفضت الفائدة، قلت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب (الذي لا يدر عائداً دورياً)، مما يجعله أكثر جاذبية. هذه التوقعات، مضافاً إليها التوترات التجارية القائمة، خلقت “عاصفة مثالية” دفعت الأسعار في السعودية لكسر كل المقاومات الفنية السابقة والانطلاق نحو مناطق سعرية مجهولة.
الأرقام: لغة البيانات لا تكذب في تعاملات 21 يناير
بالنظر إلى لغة الأرقام المجردة التي رصدتها “رويترز” من خلال بيانات التداول الفورية لمنصات الذهب المعتمدة في السعودية ليوم 21 يناير 2026، نجد تبايناً واضحاً بين مختلف العيارات. سجل عيار 24 (نقاء 99.9%) سعراً بلغ 586.76 ريال، بينما سجل عيار 22 (الذي يكثر استخدامه في بعض المشغولات التراثية والآسيوية) 537.86 ريال. أما عيار 18، الذي يعتبر الخيار الاقتصادي ومفضل للأطقم الماسية، فقد وصل سعره إلى 440.07 ريال، وهو سعر كان يعادل سعر عيار 21 قبل عدة أشهر، مما يوضح حجم التضخم السعري الحاصل.
على صعيد السبائك والأوزان الثقيلة، سجلت أونصة الذهب (31.1 جرام) سعراً بالعملة المحلية تجاوز 18,250 ريال سعودي، وسجل الجنيه الذهب (8 جرامات عيار 21) سعراً يقارب 4,110 ريال سعودي دون احتساب المصنعية. هذه الأرقام تمثل زيادة بنسبة تتجاوز 16% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي 2025، وزيادة تتخطى 40% مقارنة بأسعار 2024. هذا التسارع في النمو السعري يجعل الذهب الأصول الأفضل أداءً في المحافظ الاستثمارية السعودية لهذا العام، متفوقاً على العديد من القطاعات العقارية والأسهم.
وفيما يخص تكاليف “المصنعية”، فإن السوق يشهد تفاوتاً كبيراً. فبينما تتراوح مصنعية الجرام للسبائك المحلية بين 10 إلى 20 ريالاً، تقفز مصنعية المشغولات عيار 21 لتتراوح بين 30 إلى 60 ريالاً، وتصل في المشغولات “اللازوردي” أو الماركات العالمية إلى ما فوق 100 ريال للجرام. ومع وصول السعر الخام إلى هذه المستويات، بدأ بعض التجار في تقديم عروض “مصنعية مخفضة” لتحفيز المبيعات التي تأثرت قليلاً بالصدمة السعرية الأولى، إلا أن الزخم الشرائي عاد بقوة مدعوماً بمخاوف استمرار الصعود.
التوقعات: هل نرى الـ 6000 دولار للأونصة؟
تشير تحليلات البنوك الاستثمارية العالمية، مثل “جولدمان ساكس” و”سيتي جروب”، والتي يتابعها المستثمرون السعوديون باهتمام، إلى أن موجة الصعود الحالية لم تصل لنهايتها بعد. التوقعات المتفائلة تذهب إلى أن الذهب قد يستهدف مستوى 5000 دولار للأونصة قبل نهاية الربع الأول من 2026، ومع استمرار الزخم، قد يكون هدف 6000 دولار (ما يعادل 22,500 ريال للأونصة) وارداً بحلول نهاية العام. هذه التوقعات تستند إلى فرضية استمرار البنوك المركزية في “دي-دولرة” احتياطياتها (De-dollarization) والتحوط بالذهب.
محلياً، يتوقع الخبراء في سوق الذهب السعودي أن يؤدي استقرار الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة إلى تغيير في نمط الاستهلاك. من المرجح أن نشهد توجهاً أكبر نحو “الذهب الخفيف” (Lightweight Gold) عيار 18 و21 بوزن أقل وتصاميم عصرية لتقليل التكلفة الإجمالية على المستهلك. كما يتوقع ازدهار سوق “الذهب المستعمل” (الكسر)، حيث يلجأ الكثيرون لبيع مدخراتهم القديمة لجني الأرباح التاريخية، مما يوفر سيولة في السوق ويعيد تدوير المعدن داخل المملكة دون الحاجة لاستيراد كميات ضخمة بالأسعار العالمية الجديدة.
ختاماً، ينصح المحللون الاقتصاديون المواطنين في السعودية بضرورة التريث وعدم الانجرار وراء المضاربات اللحظية، مع التأكيد على أن الذهب يظل استثماراً طويل الأجل. الشراء عند القمم التاريخية يحمل مخاطرة التصحيح السعري، ولكن بالنسبة للمدخر طويل النفس (5 سنوات فأكثر)، تظل القاعدة الذهبية سارية: “الذهب يمرض ولا يموت”. ومع المؤشرات الحالية لعام 2026، يبدو أن المعدن الأصفر يتمتع بصحة وعافية مفرطة قد تبقيه في مساره الصاعد لفترة أطول مما توقع الكثيرون.