القاهرة (رويترز) – وسط ترقب جماهيري كبير وعودة عجلة البطولات القارية للدوران، يستعد النادي الأهلي المصري، حامل اللقب القياسي لدوري أبطال أفريقيا، لاستضافة نظيره يانغ أفريكانز التنزاني مساء الجمعة المقبل في القاهرة، ضمن منافسات الجولة الثالثة من دور المجموعات للموسم 2025-2026. وتأتي هذه المباراة في توقيت دقيق للغاية لـ "القلعة الحمراء" التي تسعى لضرب عصفورين بحجر واحد: تأكيد الزعامة القارية، واستعادة التوازن الفني قبل العودة لمعترك الدوري المحلي المشتعل، حيث يواجه الفريق منافسة شرسة هذا الموسم مع أندية بيراميدز وسيراميكا كليوباترا على صدارة الترتيب.
اختبار قاري حاسم لفك الشفرة التنزانية وتأمين الصدارة
يدخل الأهلي اللقاء وعينه على النقاط الثلاث ولا شيء سواها، مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور في استاد القاهرة الدولي، الذي طالما كان شاهداً على ملاحم "المارد الأحمر" الأفريقية. وتكتسب المباراة أهمية مضاعفة كونها تأتي بعد فترة توقف دولي طويلة نسبياً، مما يضع الجهاز الفني بقيادة السويسري مارسيل كولر أمام تحدي استعادة النسق السريع للمباريات وتجهيز اللاعبين بدنياً وذهنياً. وتشير التقارير الواردة من معسكر الفريق إلى حالة من التركيز الشديد، حيث يدرك الجهاز الفني أن الفوز على يانغ أفريكانز سيمنح الفريق دفعة معنوية هائلة ويضعه على أعتاب التأهل المبكر إلى الأدوار الإقصائية، مبتعداً عن حسابات الجولات الأخيرة المعقدة.
على الجانب الفني، يعكف الجهاز الفني للأهلي على دراسة نقاط القوة والضعف في صفوف الفريق التنزاني، الذي تطور بشكل لافت في السنوات الأخيرة ولم يعد ذلك الصيد السهل للأندية المصرية. يانغ أفريكانز، الذي يضم بين صفوفه نخبة من اللاعبين المحترفين، أظهر شراسة هجومية في الجولتين السابقتين، مما يفرض على دفاع الأهلي ضرورة التزام الحذر واليقظة طوال التسعين دقيقة. ومن المتوقع أن يعتمد الأهلي على أسلوبه المعتاد في الضغط العالي والسيطرة على وسط الملعب، مع استغلال سرعات الأجنحة لخلخلة التكتلات الدفاعية المتوقعة للضيوف، الذين سيسعون بلا شك للخروج بنتيجة إيجابية من قلب القاهرة.
وفي سياق التحضيرات، شهدت التدريبات الأخيرة للأهلي عودة عدد من العناصر المصابة، مما يعزز الخيارات المتاحة أمام المدرب لاختيار التشكيل الأمثل. التركيز انصب بشكل كبير على استغلال الكرات الثابتة والتسديد من خارج منطقة الجزاء كحلول بديلة في حال تعثر الاختراق من العمق. كما وجه الجهاز الفني تعليمات صارمة للمهاجمين بضرورة استغلال أنصاف الفرص، خاصة في ظل التوقعات بأن يلعب المنافس بخطة دفاعية محكمة تعتمد على الهجمات المرتدة السريعة التي قد تشكل خطورة بالغة.
خلفية المشهد: صراع الجبهات المتعددة وضغط الرزنامة
لا يمكن فصل المواجهة الأفريقية عن الوضع المحلي المعقد الذي يعيشه الأهلي هذا الموسم. فوفقاً لآخر تحديثات جدول ترتيب الدوري المصري الممتاز (يناير 2026)، يحتل الأهلي المركز الثالث، مطارداً المتصدر المفاجأة "سيراميكا كليوباترا" والوصيف القوي "بيراميدز". هذا الوضع يضع ضغوطاً إضافية على اللاعبين للفصل بين البطولتين، حيث ينتظر الفريق مواجهة محلية لا تقل أهمية أمام "وادي دجلة" يوم 27 يناير الجاري، أي بعد أقل من أربعة أيام من الموقعة الأفريقية. هذه الرزنامة المزدحمة تتطلب تدوير اللاعبين بذكاء لتجنب الإجهاد والإصابات التي قد تعصف بموسم الفريق.
تاريخياً، يمتلك الأهلي سجلاً حافلاً من المواجهات مع الأندية التنزانية، وغالباً ما كانت الكلمة العليا لأصحاب الرداء الأحمر. ومع ذلك، فإن يانغ أفريكانز تحديداً لطالما كان نداً قوياً، وسبق له إحراج الأهلي في مناسبات سابقة، مما يزيل أي شعور بالاستهتار من قاموس اللاعبين. تأتي هذه المباراة أيضاً في ظل سعي الأهلي لتعزيز رقمه القياسي كأكثر الأندية تتويجاً باللقب القاري (12 لقباً)، وهو إنجاز يضع على عاتق الجيل الحالي مسؤولية تاريخية للحفاظ على هذا الإرث وتوسيعه، خاصة مع تصاعد قوة المنافسين في شمال وجنوب القارة، وعلى رأسهم ماميلودي صن داونز الجنوب أفريقي والترجي التونسي.
علاوة على ذلك، تمثل المباراة فرصة للجهاز الفني لمصالحة الجماهير عن أي تذبذب في الأداء المحلي مؤخراً. الجماهير الأهلاوية، التي لا تقبل بغير الفوز بديلاً، تنظر إلى دوري أبطال أفريقيا باعتبارها "البطولة المحببة"، وأي تعثر في دور المجموعات، وخاصة على الأرض، قد يفتح باب الانتقادات واسعاً. لذا، فإن المباراة تتجاوز كونها مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مسألة ثقة واستقرار فني وإداري للفريق في مرحلة حساسة من الموسم الكروي.
لغة الأرقام: الهيمنة الحمراء في مواجهة الطموح التنزاني
عند النظر إلى لغة الأرقام، نجد أن الأهلي يدخل المباراة وهو يتسلح بترسانة هجومية ودفاعية قوية، رغم احتلاله المركز الثالث محلياً. الإحصائيات تشير إلى أن الأهلي يمتلك واحدة من أقوى المنظومات الدفاعية في البطولة الأفريقية، حيث استقبلت شباكه عدداً قليلاً من الأهداف في دور المجموعات حتى الآن. في المقابل، تشير أرقام يانغ أفريكانز إلى تطور ملحوظ في معدلات الاستحواذ ودقة التمرير، مما يعني أن معركة وسط الملعب ستكون شرسة ولن تحسم بسهولة. التفوق التاريخي للأهلي في المواجهات المباشرة يمنحه أفضلية نفسية، لكن كرة القدم الحديثة لا تعترف إلا بالجهد المبذول داخل المستطيل الأخضر.
على صعيد الدوري المحلي، تشير الجداول إلى أن الأهلي يمتلك مباريات مؤجلة قد تقلب موازين القمة لصالحه في حال الفوز بها، لكن ذلك مشروط بالحفاظ على التركيز الذهني وعدم فقدان نقاط سهلة. المنافس "سيراميكا كليوباترا" يقدم موسماً استثنائياً برصيد 29 نقطة، يليه بيراميدز بـ 27 نقطة، بينما يتربص الأهلي في المركز الثالث، مما يجعل كل مباراة قادمة بمثابة نهائي كؤوس. هذه الأرقام تزيد من سخونة اللقاء الأفريقي، فالأهلي يحتاج إلى الفوز القاري لاستخدامه كوقود معنوي للزحف نحو قمة الدوري المحلي واستعادة مكانه الطبيعي.
ومن الزاوية الاقتصادية والتسويقية، تعد مباريات الأهلي الأفريقية مصدراً هاماً للعوائد المالية، سواء من خلال الحضور الجماهيري الضخم المتوقع في استاد القاهرة، أو من خلال عوائد البث والرعاية. الفوز والاستمرار في البطولة يعني استمرار تدفق هذه العوائد، وهو أمر حيوي لاستقرار النادي المالي وقدرته على تلبية متطلبات فريق الكرة وتجديد عقود نجومه. لذلك، فإن الخسارة ممنوعة بلغة الأرقام المالية بقدر ما هي ممنوعة بلغة النقاط والحسابات الفنية.
التوقعات والسيناريوهات المحتملة للموقعة
تشير التوقعات إلى أن الأهلي سيبدأ المباراة بضغط هجومي كاسح منذ الدقيقة الأولى لمحاولة تسجيل هدف مبكر يربك حسابات الضيوف ويفتح المساحات في دفاعاتهم. من المرجح أن يعتمد كولر على تشكيلته الأساسية المدججة بالنجوم، مع توقعات بتألق لاعبي خط الوسط في صناعة اللعب والربط بين الخطوط. السيناريو الأمثل للأهلي هو حسم النتيجة في الشوط الأول لإراحة بعض العناصر الأساسية في الشوط الثاني، استعداداً لمواجهة وادي دجلة القادمة في الدوري. أما السيناريو الذي يخشاه الجميع، فهو تأخر التسجيل، مما قد يصدر التوتر إلى اللاعبين والجماهير، ويمنح الفريق التنزاني الثقة في إمكانية خطف هدف مباغت.
الجماهير ستلعب دور "اللاعب رقم 12" بامتياز، حيث من المتوقع أن تمتلئ مدرجات استاد القاهرة عن آخرها. هذا الدعم الجماهيري الكبير سيكون سلاحاً ذو حدين؛ فإما أن يكون دافعاً قوياً للاعبين لتقديم أفضل ما لديهم، أو أن يتحول إلى ضغط سلبي في حال تعقدت مجريات المباراة. وتترقب الجماهير أيضاً الظهور المحتمل لبعض الصفقات الجديدة أو العائدين من الإصابة الذين قد يمنحون الفريق دماءً جديدة وحلولاً غير تقليدية في حال انغلاق اللعب.
ختاماً، تبقى مباراة الأهلي ويانغ أفريكانز مواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، رغم الأفضلية النظرية للأهلي. فكرة القدم الأفريقية تشهد تطوراً متسارعاً، والفوارق الفنية تتقلص عاماً بعد عام. الفوز للأهلي يعني قطع شوط كبير نحو ربع النهائي وتوجيه رسالة شديدة اللهجة للمنافسين المحليين والقاريين بأن "بطل أفريقيا" جاهز للدفاع عن لقبه وعن كبريائه، مهما كانت التحديات أو ضغط المباريات.