الرياض – (رويترز): عزز نادي الهلال قبضته الحديدية على صدارة الدوري السعودي للمحترفين (دوري روشن) لموسم 2025-2026، مواصلاً سلسلة انتصاراته المدوية التي لا تعرف التوقف، بينما تتجه الأنظار غداً الأربعاء صوب مدينة أبها، حيث يخوض ملاحقه المباشر “النصر” اختباراً محفوفاً بالمخاطر أمام ضمك. وشهدت الجولة السادسة عشرة تقلبات دراماتيكية أعادت رسم خارطة المنافسة، وسط صعود لافت لنادي “نيوم” الذي أحرج المتصدر، وتعثر مفاجئ للاتحاد زاد من تعقيد حسابات المربع الذهبي، مما يضع البطولة أمام مفترق طرق حاسم مع دخول شهر يناير مراحله الأخيرة.
تفاصيل الجولة: الهلال يعبر “مطب” نيوم والنصر يقلب الطاولة
لم تكن رحلة الهلال في الجولة السادسة عشرة مجرد نزهة، بل تحولت إلى ملحمة كروية أمام الصاعد الطموح نادي “نيوم”. فعلى أرضية ملعب الأخير، احتاج “الزعيم” إلى كامل خبراته الفنية لتجاوز التكتل الدفاعي الصلب الذي فرضه أصحاب الأرض. المباراة التي انتهت بنتيجة (2-1) لصالح الأزرق، كشفت عن الوجه الحقيقي للمنافسة هذا الموسم؛ حيث لم تحسم النقاط الثلاث إلا في الدقائق الأخيرة، بفضل التبديلات التكتيكية للمدرب التي فكت شفرة دفاعات نيوم، ليواصل الهلال تغريده منفرداً برصيد 41 نقطة، مبتعداً عن أقرب منافسيه ومصدراً الضغط عليهم.
في المقابل، عاشت جماهير النصر ليلة عصيبة في “الأول بارك” أمام الشباب، في ديربي مصغر اتسم بالسرعة والندية. “العالمي” الذي وجد نفسه مطالباً بالفوز لعدم اتساع الفارق مع الهلال، نجح في حسم الموقعة بنتيجة (3-2) في مباراة تألق فيها خط الهجوم بقيادة الأسطورة كريستيانو رونالدو، الذي لا يزال يثبت أنه الرقم الصعب في المعادلة النصراوية رغم تقدم العمر. الفوز لم يمنح النصر النقاط الثلاث فحسب، بل أعطى دفعة معنوية هائلة للفريق قبل السفر إلى الجنوب لمواجهة ضمك غداً، في مباراة لا تقبل القسمة على اثنين.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، واصل الاتحاد مسلسل نزيف النقاط بسقوطه المدوي أمام الاتفاق، وهي النتيجة التي أثارت عاصفة من الانتقادات الجماهيرية حول أداء الفريق الغربي. الخسارة جمدت رصيد “العميد” وأبعدته خطوة أخرى عن صراع اللقب، مانحة الفرصة للأهلي -الذي يقدم مستويات ثابتة- للانقضاض على الوصافة ومزاحمة النصر، مما يشعل صراعاً ثلاثياً شرساً على المقاعد المؤهلة للبطولات الآسيوية، ويجعل من كل جولة قادمة نهائياً بحد ذاته.
خلفية الصراع: موسم “تكسير العظام” وصعود القوى الجديدة
يكتسب موسم 2025-2026 أهمية استثنائية في تاريخ الدوري السعودي، ليس فقط بسبب حجم الاستثمارات الهائلة، بل لدخول قوى جديدة ساحة المنافسة، أبرزها نادي “نيوم” و”القادسية”. هذه الأندية المدعومة بمشاريع رياضية طموحة لم تعد تقبل بلعب دور “الكومبارس”، بل باتت نداً قوياً للأربعة الكبار. ما حدث في مباراة الهلال ونيوم ليس استثناءً، بل قاعدة جديدة في الدوري؛ حيث تلاشت الفوارق الفنية الكبيرة، وأصبحت مباريات الفرق الصاعدة تشكل عقبة حقيقية في طريق الطامحين لللقب.
وتأتي هذه النتائج في وقت حساس جداً من الموسم، حيث يتزامن ضغط المباريات المحلية مع الاستحقاقات القارية في دوري أبطال آسيا للنخبة. الأندية السعودية تجد نفسها في دوامة من التدوير الإجباري للاعبين لتجنب الإرهاق والإصابات، وهو ما ظهر جلياً في تذبذب مستوى الاتحاد والشباب. القدرة على الموائمة بين البطولات هي التي ستحدد هوية البطل في النهاية، ويبدو أن الهلال حتى الآن هو الأكثر نجاحاً في إدارة هذه المنظومة بفضل عمق تشكيلته الاحتياطية.
كما يلقي سوق الانتقالات الشتوية بظلاله على المشهد، حيث تسعى الأندية لترميم صفوفها قبل إغلاق النافذة. النصر يبحث عن تعزيزات دفاعية لمواجهة الهشاشة التي ظهرت أمام الشباب، بينما يحاول الاتحاد إيجاد حلول هجومية عاجلة. المراقبون يرون أن الأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة، ليس فقط داخل الملعب، بل في مكاتب الإدارات التي تسابق الزمن لحسم صفقات قد تقلب موازين الدوري في الرمق الأخير.
لغة الأرقام: الهلال يغرد خارج السرب والأهلي يتربص
تتحدث الإحصائيات بلغة واضحة عن هيمنة زرقاء، حيث يتربع الهلال على القمة برصيد 41 نقطة جمعها من 15 مباراة (مع مباراة مؤجلة)، محققاً 13 انتصاراً وتعادلين، بسجل خالٍ من الهزائم. القوة الهجومية الضاربة للهلال سجلت 40 هدفاً، بينما استقبلت شباكه 14 هدفاً فقط، محققاً فارق أهداف إيجابي (+26) يجعله الأقوى هجوماً ودفاعاً. هذه الأرقام المرعبة تضع ضغطاً نفسياً هائلاً على الملاحقين الذين يدركون أن أي تعثر يعني عملياً تسليم الدرع للهلال مبكراً.
في المركز الثاني (مؤقتاً) وبفارق ضئيل عن النصر، يأتي النادي الأهلي الذي جمع 37 نقطة من 16 مباراة، مقدماً موسماً استثنائياً في التوازن الدفاعي. الأهلي، الذي عانى في مواسم سابقة، يبدو أكثر نضجاً هذا العام، حيث استقبلت شباكه 12 هدفاً فقط، وهو رقم يتفوق به حتى على الهلال، مما يجعله الحصان الأسود الذي قد يباغت الجميع إذا ما تعثر المتصدر. أما النصر، فما زال يملك فرصة استعادة الوصافة وتقليص الفارق، بشرط العودة من أبها بالنقاط الثلاث.
على صعيد الهدافين، لا يزال الصراع محتدماً بين ميتروفيتش (الهلال) ورونالدو (النصر)، حيث يتبادل الثنائي التسجيل جولة تلو الأخرى. لكن الأرقام تشير أيضاً إلى صعود أسماء جديدة من أندية الوسط، مما يعكس تطور المنظومة التكتيكية لباقي الفرق. مباراة الغد بين النصر وضمك قد تشهد تغييراً في جدول ترتيب الهدافين، خاصة مع السجل التهديفي المميز للهجوم النصراوي أمام فرق الجنوب.
قراءة في التوقعات: هل تصمد قلاع أبها أمام “العالمي”؟
تتجه كل التوقعات والتحليلات نحو موقعة الغد (الأربعاء) في المحالة، حيث يحل النصر ضيفاً ثقيلاً على ضمك. التاريخ ينحاز لـ “العالمي” الذي فاز في 9 من أصل 12 مواجهة جمعت الفريقين، لكن “فارس الجنوب” (ضمك) لطالما كان رقماً صعباً على أرضه وبين جماهيره، خاصة في الأجواء الباردة والمرتفعات التي تميز مدينة أبها في يناير. المحللون يحذرون من أن أي تعثر للنصر بالتعادل أو الخسارة قد يوسع الفارق مع الهلال إلى رقم يصعب تعويضه، مما يعني عملياً انتهاء المنافسة على اللقب إكلينيكياً.
من الناحية الفنية، يتوقع أن يدخل النصر المباراة باندفاع هجومي مبكر لحسم الأمور، معتمداً على المثلث الهجومي الناري، في حين سيلجأ ضمك إلى الهجمات المرتدة واستغلال المساحات خلف ظهيري النصر المتقدمين. التوقعات تشير إلى مباراة مفتوحة وغزيرة بالأهداف، نظراً لحاجة الطرفين للنقاط؛ النصر للمنافسة، وضمك للابتعاد عن مناطق الخطر في وسط الترتيب. غياب بعض العناصر الدفاعية للنصر قد يكون الثغرة التي يراهن عليها مدرب ضمك لإحداث المفاجأة.
ختاماً، يبدو أن الجولات القادمة ستحمل في طياتها الكثير من الإثارة. فمع استمرار الهلال في حصد النقاط، واستمااتة النصر والأهلي في المطاردة، وصحوة فرق الوسط، نكون أمام واحد من أكثر المواسم إثارة في تاريخ الدوري السعودي. السؤال الذي يطرحه الجميع الآن: هل يستطيع أحد إيقاف قطار الهلال السريع؟ أم أن كتيبة جيسوس ستمضي بسلام نحو منصة التتويج؟ الإجابة قد تكون في أبها غداً، أو ربما تتاجل إلى “الكلاسيكو” القادم.