القاهرة – رويترز:
شهدت أسواق الصاغة المصرية اليوم، الثلاثاء 20 يناير 2026، موجة جديدة وعنيفة من الارتفاعات السعرية التي دفعت بالمعدن الأصفر إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ التداول المحلي، حيث كسر عيار 21 الأكثر شعبية حاجزاً نفسياً جديداً وسط حالة من الذهول سيطرت على المتعاملين والمستثمرين على حد سواء. وتأتي هذه القفزات المتتالية مدفوعة بشكل رئيسي بالجنون الذي أصاب البورصات العالمية، حيث تواصل الأونصة تحطيم الأرقام القياسية متجاوزة مستويات 4700 دولار، في ظل توترات جيوسياسية واقتصادية عالمية تعيد رسم خريطة الملاذات الآمنة، مما يجعل الذهب الخيار الأول والأوحد للتحوط ضد تقلبات الأسواق وضبابية المشهد الاقتصادي العالمي.
التفاصيل: صعود صاروخي يربك حسابات السوق المحلي
افتتحت التعاملات الصباحية في السوق المصري اليوم على فجوة سعرية واضحة، حيث قفزت الأسعار بشكل متسارع لم يترك مجالاً لالتقاط الأنفاس، مسجلة أرقاماً فلكية لم يكن يتخيلها أشد المتفائلين بصعود الذهب قبل عام واحد. ويشير رصد “رويترز” لحركة السوق إلى أن شاشات التداول اللحظية في منطقة الصاغة والحسين قد عدلت أسعارها أكثر من 4 مرات خلال الساعات الأولى من اليوم، استجابةً للتحركات العنيفة في سعر الأوقية العالمية. وقد أدى هذا التسارع إلى حالة من الشلل المؤقت في بعض عمليات البيع والشراء، حيث فضل بعض التجار التوقف عن البيع لحين استقرار السعر، خوفاً من بيع مخزونهم بأسعار قد تصبح “بخسة” بعد ساعات قليلة في ظل هذا الاتجاه الصاعد الحاد.
وفي سياق متصل، أكد عدد من رؤساء شعبة الذهب بالغرف التجارية أن ما يحدث اليوم هو “تسعير عادل” بناءً على المعطيات العالمية، حيث أن السوق المحلي أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالسعر العالمي للدولار والأونصة، مع تراجع تأثير العرض والطلب المحليين كعوامل حاسمة في تحديد السعر اليومي. وقد سجل عيار 21، وهو المعيار الرئيسي للسوق المصري ومخزن القيمة المفضل لدى الأسر المصرية، مستوى تاريخياً لامس 6330 جنيهاً للجرام الواحد (بدون مصنعية)، وهو رقم يضع عبئاً كبيراً على الراغبين في الزواج، ولكنه في الوقت نفسه يمثل خبراً سعيداً للمستثمرين الذين احتفظوا بمدخراتهم في السبائك والعملات الذهبية خلال العامين الماضيين.
ولم يقتصر الارتفاع على الجرامات فحسب، بل امتد ليشمل الجنيه الذهب والسبائك بكافة أوزانها، حيث أصبح البحث عن السبائك الصغيرة (1 جرام و 2.5 جرام) هو الشاغل الأكبر لصغار المدخرين الذين يحاولون اللحاق بقطار الذهب قبل أن يبتعد أكثر. وتشير التقارير الميدانية إلى أن السيولة النقدية تتجه بقوة نحو المعدن النفيس، مما يعكس انخفاض شهية المخاطرة لدى المواطنين وتفضيلهم للأصول الملموسة في ظل التوقعات باستمرار موجة التضخم العالمية التي قد تؤثر على القوة الشرائية للعملات الورقية في مختلف أنحاء العالم، وليس في مصر فقط.
الخلفية: محركات عالمية وتوترات تجارية تشعل الفتيل
لفهم ما يجري في السوق المصري اليوم، يجب النظر إلى الصورة الأكبر في الأسواق العالمية، حيث يعيش الذهب عصره الذهبي الحقيقي في مطلع عام 2026. المحرك الأساسي لهذه الارتفاعات الجنونية هو المخاوف المتزايدة من اندلاع حروب تجارية واسعة النطاق بين القوى الاقتصادية الكبرى، خاصة مع التهديدات المتبادلة بفرض رسوم جمركية عقابية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. هذه الأجواء المشحونة دفعت البنوك المركزية حول العالم، والصناديق السيادية، إلى تكثيف مشترياتها من الذهب لتعزيز احتياطياتها بعيداً عن الدولار والسندات التي قد تتأثر بهذه الصراعات، مما خلق طلباً مؤسسياً هائلاً لا تستطيع المناجم تغطيته بالسرعة الكافية.
علاوة على ذلك، تلعب السياسات النقدية دوراً حاسماً في هذا المشهد، حيث تتجه التوقعات إلى أن عصر الفائدة المرتفعة قد انتهى بلا رجعة، وأن البنوك المركزية ستضطر لتبني سياسات أكثر تساهلاً لدعم النمو الاقتصادي المهدد بالركود. ومن المعروف تاريخياً أن العلاقة بين الذهب وأسعار الفائدة عكسية؛ فكلما انخفضت الفائدة أو زادت التوقعات بخفضها، زادت جاذبية الذهب كأصل لا يدر عائداً ولكنه يحفظ القيمة، خاصة مع تآكل العوائد الحقيقية للسندات والودائع البنكية بفعل التضخم المستمر. هذا السيناريو العالمي يلقي بظلاله الكثيفة على السوق المحلي في مصر، الذي يستورد هذا التضخم السعري في الأصول بشكل فوري.
محلياً، لا يمكن إغفال دور سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية كعامل مساعد في هذه المعادلة. فرغم الاستقرار النسبي الذي شهده سعر الصرف في الآونة الأخيرة، إلا أن الارتفاع الكبير في تكلفة استيراد الذهب الخام (نظراً لارتفاعه عالمياً بالدولار) يترجم فوراً إلى زيادات بالعملة المحلية. كما أن ثقافة “التحوط بالذهب” التي ترسخت لدى المصريين بعد أزمات السنوات السابقة جعلت الطلب المحلي يتسم بالصلابة والمرونة، حيث لا يتراجع الطلب مع ارتفاع السعر، بل على العكس، تزداد الرغبة في الشراء كلما صعد المؤشر، خوفاً من ضياع الفرصة، وهو ما يُعرف في الاقتصاد بـ “سلوك القطيع” الذي يعزز من الزخم الصعودي.
الأرقام: رصد دقيق لأسعار الأعيرة والسبائك اليوم
بلغة الأرقام التي لا تكذب، سجلت تداولات اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 أرقاماً قياسية تستوجب التوقف عندها. فقد قفز سعر جرام الذهب عيار 24، الذي يتميز بنقائه العالي ويستخدم عادة في صناعة السبائك، ليُسجل نحو 7235 جنيهاً. هذا السعر يجعل من السبيكة وزن 10 جرامات تتجاوز حاجز الـ 72 ألف جنيه، وهو رقم يعكس حجم التضخم في أسعار الأصول. ويُعد عيار 24 هو المعيار الأدق لقياس تحركات السوق لأنه الأقل تأثراً بعوامل المصنعية والتشكيل التي تدخل في الأعيرة الأقل.
أما النجم الحقيقي للسوق، عيار 21، فقد سجل 6330 جنيهاً للجرام الواحد. وإذا ما أضفنا قيمة المصنعية والدمغة والضريبة التي تتراوح عادة بين 80 إلى 200 جنيه حسب التاجر والمنطقة وجودة المشغولات، فإن السعر النهائي للمستهلك يقترب أو يتجاوز 6500 جنيه للجرام. هذا الارتفاع الكبير يجعل من شراء “شبكة” الزواج أمراً يتطلب ميزانيات ضخمة، وقد يدفع المجتمع نحو تغيير عاداته الشرائية بالاكتفاء بأوزان أقل أو التوجه نحو عيارات أقل تكلفة.
وفيما يخص الأعيرة الأخرى، سجل عيار 18، المفضل في الوجه البحري ولدى محبي المشغولات ذات التصاميم العصرية، نحو 5425 جنيهاً. بينما سجل الجنيه الذهب (الذي يزن 8 جرامات من عيار 21) قفزة هائلة ليصل إلى مستويات 50640 جنيهاً، متجاوزاً بذلك حاجز النصف مليون جنيه لكل 10 جنيهات ذهبية، وهو ما يجعله وعاءً ادخارياً ضخماً. أما عالمياً، فالرقم الأهم هو تسجيل الأونصة لمستوى 4730 دولاراً، وهو السعر المرجعي الذي يتم بناء كافة الحسابات المحلية عليه.
التوقعات: هل نرى الذهب عند 7000 جنيه وما بعدها؟
بالنظر إلى المستقبل القريب والمتوسط، يُجمع المحللون الاقتصاديون وخبراء أسواق المال على أن الاتجاه العام للذهب لا يزال صاعداً بقوة. وتشير تقارير مؤسسات مالية كبرى مثل “جولد مان ساكس” و”جي بي مورجان” (التي تم تداول مقتطفات من توقعاتها لعام 2026) إلى أن الذهب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. التوقعات تشير إلى احتمالية استهداف الأونصة العالمية لمستوى 5000 دولار قبل نهاية النصف الأول من عام 2026، إذا ما استمرت وتيرة التوترات السياسية والاقتصادية الحالية. هذا السيناريو، إذا تحقق، يعني أن الأسعار المحلية في مصر مرشحة لزيادات أخرى قد تتجاوز 10% إلى 15% من المستويات الحالية.
وفي السوق المصري، يتوقع الخبراء أن يكسر عيار 21 حاجز الـ 7000 جنيه في حال استمر الصعود العالمي بنفس الزخم، أو في حال حدوث أي تحركات جديدة في سعر الصرف. وينصح الخبراء المستثمرين بضرورة تنويع المحفظة وعدم الانجراف وراء المضاربات السريعة، مؤكدين أن الذهب هو استثمار طويل الأجل بطبيعته، وأن الدخول في القمم السعرية يتطلب نفساً طويلاً لتحقيق الأرباح. كما يُنصح المقبلون على الشراء بغرض الزينة أو الادخار بتقسيم مشترياتهم على دفعات للاستفادة من أي حركات تصحيحية هابطة قد تحدث في الأيام المقبلة لجني الأرباح.
ختاماً، تبقى هذه التوقعات مرهونة باستقرار الأوضاع العالمية والمحلية. فأي انفراجة مفاجئة في الأزمات التجارية العالمية أو هدوء في التوترات الجيوسياسية قد يؤدي إلى موجة جني أرباح عنيفة تهبط بالأسعار مؤقتاً. ومع ذلك، يظل الإجماع العام هو أننا نعيش في “دورة عظمى” للسلع والمعادن النفيسة، وأن الذهب سيظل هو الملك المتوج على عرش الملاذات الآمنة في عام 2026، مما يفرض على الجميع متابعة دقيقة وحذرة لتحركات هذا السوق المتقلب.