تقرير موسع: استقرار الدولار مقابل الجنيه المصري وسط تفاؤل اقتصادي وعودة تدفقات قناة السويس

تقرير موسع: استقرار الدولار مقابل الجنيه المصري وسط تفاؤل اقتصادي وعودة تدفقات قناة السويس

(القاهرة – رويترز) – شهد سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري استقراراً ملحوظاً في التعاملات الصباحية اليوم، الثلاثاء 20 يناير 2026، ليحافظ على مكاسبه التي حققها الجنيه خلال الأسابيع الماضية بدعم من تدفقات نقدية أجنبية قوية وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي. ويأتي هذا الاستقرار في وقت تترقب فيه الأسواق قرارات البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة، بالتزامن مع صدور تقارير دولية إيجابية رفعت من توقعات نمو الاقتصاد المصري للعام المالي الجاري، مما يعكس نجاح السياسات الإصلاحية التي انتهجتها الحكومة على مدار العامين الماضيين في كبح جماح التضخم والقضاء على السوق الموازية.

التفاصيل الكاملة لتحركات سعر الصرف في البنوك والسوق

سجلت شاشات التداول في البنوك المصرية الرئيسية اليوم استقراراً للعملة الخضراء عند متوسط 47.20 جنيه للشراء و47.30 جنيه للبيع، وهو المستوى الذي يحافظ عليه الجنيه منذ مطلع العام الحالي. وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر، أكبر بنكين حكوميين في البلاد، استقر السعر عند مستويات متقاربة جداً، مما يعكس توافر السيولة الدولارية وتلبية طلبات الاستيراد دون معوقات. وأشارت بيانات التداول اللحظية إلى اختفاء الفجوة السعرية تماماً بين السوق الرسمية والسوق الموازية، التي كانت تؤرق الاقتصاد في سنوات سابقة، حيث انحصرت التعاملات غير الرسمية في نطاقات ضيقة للغاية لا تتجاوز 47.90 جنيه، مما يؤكد نجاح البنك المركزي في توحيد سعر الصرف.

ويرجع هذا الهدوء النسبي في سوق الصرف إلى عدة عوامل جوهرية، أبرزها الإعلان الرسمي من عملاق الشحن البحري “ميرسك” عن استئناف رحلاتها المنتظمة عبر قناة السويس بدءاً من هذا الشهر، بعد فترة من الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت على إيرادات القناة. هذا التطور يمثل شريان حياة متجدد للاحتياطي النقدي المصري، حيث يتوقع المحللون أن تعود إيرادات القناة لمستوياتها القياسية التي تجاوزت 10 مليارات دولار سنوياً، مما يعزز من قوة الجنيه ويدعم ميزان المدفوعات الذي عانى من ضغوطات خارجية في الفترة السابقة.

على صعيد متصل، تراجعت حدة المضاربات على الذهب والدولار كملاذات آمنة، مع توجه السيولة المحلية نحو الأوعية الادخارية بالجنيه المصري وسوق الأسهم التي تشهد انتعاشاً ملحوظاً. وأكد متعاملون في شركات الصرافة بوسط القاهرة أن المعروض من النقد الأجنبي يفوق الطلب حالياً، خاصة مع تدفق تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي سجلت أرقاماً قياسية جديدة، مما خلق حالة من التوازن المستدام في السوق، وجعل الحديث عن “تعويم” جديد أو خفض لقيمة العملة أمراً مستبعداً في المدى المنظور.

الخلفية الاقتصادية: تقارير دولية وإصلاحات هيكلية

يأتي استقرار سعر الصرف اليوم مدعوماً بتقرير متفائل صدر عن صندوق النقد الدولي صباح أمس، حيث رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد المصري للسنة المالية الحالية 2025-2026 إلى 4.7%، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تدور حول 4.5%. وأرجع الصندوق هذه النظرة الإيجابية إلى التزام مصر الصارم ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، والنجاح في خفض معدلات التضخم التي تراجعت من مستويات قياسية بلغت 38% في 2023 لتصل إلى نحو 12.3% حالياً، مع توقعات بمزيد من الانحفاض إلى خانة الآحاد بنهاية العام الجاري.

وتلعب الاستثمارات الأجنبية المباشرة دوراً حاسماً في تعزيز الموقف المالي للدولة، حيث بدأت الحكومة في جني ثمار مشروع “رأس الحكمة” وتوسعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. هذه المشروعات لم توفر سيولة دولارية فورية فحسب، بل خلقت طلباً مستداماً على الجنيه المصري لتمويل العمليات التشغيلية والإنشائية. كما أن اتفاقية التمويل الموسعة مع الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ الكامل، وفرت غطاءً تمويلياً مريحاً للحكومة، مما مكنها من سداد التزاماتها الدولية بانتظام ودون الضغط على الاحتياطي النقدي.

من جانب آخر، تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن السياسة النقدية التشددية التي اتبعها البنك المركزي، والتي تضمنت رفع أسعار الفائدة لمستويات غير مسبوقة في عام 2024، قد بدأت تؤتي ثمارها بالكامل. ومع ذلك، هناك توجه حالي نحو “التيسير النقدي الحذر”، حيث تتوقع الأسواق أن يبدأ المركزي في خفض الفائدة تدريجياً خلال الاجتماعات القادمة لتشجيع الاستثمار المباشر وتقليل تكلفة الدين الحكومي، وهو ما قد يضغط طفيفاً على العملة لكنه سيدعم النمو الحقيقي في القطاعات الإنتاجية.

لغة الأرقام: الاحتياطيات والتحويلات في صدارة المشهد

تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري عن متانة الوضع المالي الحالي، حيث قفز صافي الاحتياطيات الدولية ليصل إلى 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي، وهو أعلى مستوى له منذ سنوات. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على قدرة الدولة على تغطية وارداتها السلعية لأكثر من 8 أشهر، وهو معدل يتجاوز المعايير العالمية للأمان الاقتصادي. ويعزى هذا النمو في الاحتياطي إلى تنوع مصادر الدخل الدولاري وعدم الاعتماد على مصدر واحد كما كان في السابق.

وفي سياق متصل، أظهرت البيانات ارتفاعاً مذهلاً في تحويلات المصريين بالخارج، التي سجلت نحو 37.5 مليار دولار خلال عام 2025، بنسبة نمو تجاوزت 42.5% مقارنة بالعام السابق. يعكس هذا الرقم استعادة الثقة الكاملة في النظام المصرفي الرسمي بعد القضاء على فوارق أسعار الصرف. هذه التدفقات اليومية المستمرة تضمن للبنك المركزي قدرة عالية على التدخل (عند الضرورة) لضبط إيقاع السوق ومنع أي تقلبات حادة قد تضر بالمستوردين أو المصنعين.

أما بالنسبة لأسعار العملات الأخرى مقابل الجنيه، فقد سجل اليورو تراجعاً طفيفاً ليصل إلى 54.71 جنيه للشراء، بينما سجل الجنيه الإسترليني 63.05 جنيه، متأثراً بتراجعاته العالمية أمام الدولار. هذا الارتباط الوثيق بين الجنيه وسلة العملات العالمية، وليس الدولار فقط، يشير إلى نضج آلية سعر الصرف المرن التي تطبقها مصر، حيث لم يعد السعر جامداً بل يتحرك صعوداً وهبوطاً وفقاً لآليات العرض والطلب العالمية، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية.

التوقعات ومستقبل الجنيه في المدى القريب

تشير استطلاعات الرأي التي أجرتها وكالة “رويترز” وشملت 16 خبيراً اقتصادياً إلى توقعات متباينة ولكنها تميل للاستقرار. يرى فريق من الخبراء، من بينهم محللون في بنك “ستاندرد تشارترد”، أن الجنيه قد يشهد تراجعاً طفيفاً ومحكوماً ليصل إلى مستويات 49.85 جنيه للدولار بحلول يونيو 2026، وذلك كجزء طبيعي من آلية العرض والطلب ومواكبة الفارق في معدلات التضخم بين مصر وشركائها التجاريين. ويرون أن هذا التحرك “الصحي” للعملة أفضل من التثبيت المصطنع الذي قد يولد انفجارات سعرية لاحقاً.

في المقابل، يرى فريق آخر أن التدفقات المتوقعة من عودة الملاحة في قناة السويس وبيع حصص في شركات حكومية ضمن برنامج الطروحات قد يدفع الجنيه للارتفاع (أو القوة) ليصل إلى مستويات 45-46 جنيهاً بنهاية العام. ويعتمد هذا السيناريو المتفائل على استمرار انخفاض أسعار السلع الغذائية والطاقة عالمياً، مما يقلل من فاتورة الاستيراد المصرية. وتظل المخاطر الجيوسياسية في المنطقة هي العامل المتغير الوحيد الذي قد يقلب هذه التوقعات، إلا أن الاقتصاد المصري أثبت مرونة عالية في التعامل مع هذه التوترات مؤخراً.

وختاماً، يتوقع أن يشهد النصف الأول من عام 2026 تحولاً في السياسة النقدية من “مكافحة التضخم” إلى “تحفيز النمو”. هذا التحول قد يعني خفض أسعار الفائدة من مستوياتها الحالية (27.25% للإيداع) إلى مستويات تقترب من 16-18% بحلول نهاية العام، مما سيقلل من جاذبية “الأموال الساخنة” ولكنه سيعوض ذلك بجذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل، مما يؤسس لاستقرار نقدي مبني على الإنتاج الحقيقي وليس فقط على أدوات الدين.

إقرأ أيضاً من موقعنا: