غزة/القاهرة (رويترز) – في اليوم الثاني بعد المائة من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا يزال قطاع غزة يعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر والخوف، وسط انتهاكات ميدانية متواصلة وتحركات دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن لرسم ملامح “اليوم التالي”. وبينما يواجه الغزيون منخفضاً جوياً قاسياً يفتك بالأطفال في الخيام المتهالكة، تتجه الأنظار إلى القاهرة وواشنطن حيث يجري وضع اللمسات الأخيرة على تشكيلة “مجلس السلام” الدولي المقترح لإدارة القطاع، في وقت ارتفعت فيه حصيلة الضحايا -رغم التهدئة المعلنة- إلى أرقام قياسية جديدة، مما يثير تساؤلات جدية حول صمود الاتفاق في ظل التوترات المتصاعدة في خان يونس وشمال القطاع.
تفاصيل الوضع الميداني: خروقات في الجنوب وموت بارد في الخيام
شهدت الساعات الثماني والأربعون الماضية تصعيداً ميدانيًا ملحوظاً يهدد بتقويض اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي. ففي خان يونس جنوبي القطاع، وتحديداً في بلدة بني سهيلا، أفاد شهود عيان ومصادر طبية لرويترز بسقوط قذائف مدفعية إسرائيلية على مناطق قريبة من تجمعات النازحين، مما أدى إلى إصابة مواطن وإشاعة حالة من الذعر بين العائلات التي عادت لتوها لتفقد أنقاض منازلها. يأتي هذا القصف بالتزامن مع توغلات محدودة للآليات العسكرية في المناطق الشرقية، وهو ما تعتبره الفصائل الفلسطينية خرقاً صريحاً لبنود التهدئة التي تنص على تجميد العمليات العسكرية وسحب القوات من المحاور الرئيسية.
وبعيدا عن نيران المدفعية، يواجه سكان غزة عدواً لا يقل ضراوة يتمثل في المنخفض الجوي العميق الذي يضرب المنطقة. فقد أكد المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، وفاة طفلة في مدينة غزة صباح اليوم نتيجة البرد القارس، محذراً من كارثة إنسانية صامتة تحصد أرواح الأطفال الرضع داخل الخيام التي تفتقر لأدنى مقومات التدفئة. وتغمر مياه الأمطار آلاف الخيام في مناطق الإيواء بالمواصي ودير البلح، مما يجبر العائلات على قضاء لياليهم وقوفاً أو البحث عن ملاذات شبه مدمرة، في مشهد يعكس فشل آليات الإغاثة الدولية في توفير بدائل سكنية سريعة رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على توقف المعارك الكبرى.
وفي تطور صحي مقلق، حذر مدير مجمع الشفاء الطبي من انتشار فيروس غامض وسريع العدوى بين المواطنين، خاصة في شمال القطاع، حيث تسببت متلازمة ضعف المناعة الناجمة عن سوء التغذية في تفاقم الأعراض. وتشير التقارير الطبية الأولية إلى أن تكدس النازحين واختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب نتيجة تدمير البنية التحتية قد خلق بيئة خصبة لانتشار الأوبئة التي قد تكون أكثر فتكاً من الرصاص في المرحلة المقبلة، وسط عجز شبه تام في المستلزمات الطبية والأدوية الأساسية التي لا تزال تدخل ببطء شديد عبر المعابر الخاضعة لرقابة إسرائيلية مشددة.
الخلفية السياسية: “مجلس السلام” ولجنة التكنوقراط
تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تتسارع فيه الخطى السياسية لتطبيق “المرحلة الثانية” من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط. فقد كشفت مصادر مطلعة لرويترز أن دعوات رسمية قد أُرسلت لأطراف دولية وإقليمية، بما في ذلك إسرائيل وروسيا، للانضمام إلى “مجلس السلام” الدولي المقرر أن يتولى الإشراف الأعلى على إدارة غزة. وتهدف هذه الخطة، التي تم التوافق على خطوطها العريضة في قمة شرم الشيخ قبل شهرين، إلى نزع فتيل الأزمة عبر تدويل الإدارة المؤقتة للقطاع، مع ضمانات أمنية لإسرائيل ومسار لإعادة الإعمار للفلسطينيين.
وعلى الصعيد الداخلي، بدأت “اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة”، وهي هيئة تكنوقراطية غير سياسية برئاسة الدكتور علي شعث، أولى خطواتها العملية بالتنسيق مع القاهرة. وتهدف هذه اللجنة، التي تشكلت بموجب التفاهمات الأخيرة، إلى استلام زمام الأمور الإدارية والخدمية بعيداً عن سيطرة الفصائل المسلحة. إلا أن عمل اللجنة يواجه عقبات لوجستية وسياسية هائلة، أبرزها عدم سماح إسرائيل حتى اللحظة بإدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة ملايين الأطنان من الركام، بالإضافة إلى الضبابية التي تحيط بمصادر التمويل وعلاقة هذه اللجنة بالسلطة الفلسطينية في رام الله.
ويشير المحللون إلى أن الدعوة الأمريكية الموجهة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام لمجلس السلام تمثل تحولاً استراتيجياً لافتاً، ومحاولة من إدارة ترامب لضمان غطاء دولي واسع يمنع أي فيتو في مجلس الأمن مستقبلاً. وفي المقابل، لا تزال الحكومة الإسرائيلية تدرس الرد على الدعوة، وسط خلافات داخلية حادة بين المستوى الأمني الذي يرى في المجلس مخرجاً من مستنقع غزة، وبين وزراء اليمين المتطرف الذين يرفضون أي مظهر للسيادة الدولية أو الفلسطينية ويعتبرون أن السيطرة الأمنية الإسرائيلية المباشرة هي الضمان الوحيد لمنع عودة التهديدات العسكرية.
لغة الأرقام: حصاد الموت المستمر
كشفت أحدث البيانات الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة اليوم الثلاثاء، عن أرقام مفزعة تعكس حجم الكارثة المستمرة رغم الحديث عن التهدئة. فقد ارتفعت الحصيلة التراكمية لضحايا الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 71,550 شهيداً، وأكثر من 171,365 مصاباً. والأخطر من ذلك، هو ما سجلته الوزارة من سقوط 465 شهيداً ونحو 1,287 جريحاً منذ “وقف إطلاق النار” في 11 أكتوبر الماضي، مما يؤكد أن مصطلح “الهدنة” لا يزال حبراً على ورق بالنسبة لمئات العائلات التي فقدت أحباءها برصاص القناصة أو القصف المدفعي المتقطع أو تحت ركام المباني الآيلة للسقوط.
وفي تفاصيل الإحصائية اليومية، استقبلت المستشفيات خلال الـ 24 ساعة الماضية شهيداً جديداً وشهيداً آخر تم انتشاله من تحت الأنقاض، إضافة إلى 12 إصابة بجروح متفاوتة. وتؤكد التقارير أن هناك ما يقارب 713 جثماناً تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشالها خلال فترة التهدئة، بينما لا يزال آلاف المفقودين تحت طبقات الإسمنت المسلح في أحياء الشجاعية وبيت حانون، حيث تعجز المعدات البدائية المتوفرة عن الوصول إليهم، مما يحول مساحات واسعة من القطاع إلى مقابر جماعية مفتوحة.
وعلى صعيد البنية التحتية والنزوح، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.9 مليون غزي لا يزالون نازحين قسراً، يعيش غالبيتهم في مساحة لا تتجاوز 20% من مساحة القطاع في منطقة المواصي ورفح. وقد أدت الحرب إلى تدمير أكثر من 70% من الوحدات السكنية بشكل كلي أو جزئي، مما يجعل عودة النازحين إلى مناطقهم في الشمال والوسط أمراً مستحيلاً في المدى المنظور دون عملية إعادة إعمار شاملة تتطلب، وفق تقديرات البنك الدولي، عشرات المليارات من الدولارات وسنوات طويلة من العمل المتواصل.
التوقعات والسيناريوهات: هل تصمد المرحلة الثانية؟
تتجه الأنظار في الأيام القليلة المقبلة إلى الرد الإسرائيلي الرسمي على دعوة الانضمام لـ “مجلس السلام”، حيث يرى مراقبون أن قبول تل أبيب سيمهد الطريق فعلياً لتطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تتضمن انسحابات أوسع للجيش الإسرائيلي من مراكز المدن وتمكين لجنة التكنوقراط من العمل بحرية أكبر. في المقابل، فإن الرفض أو المماطلة قد يؤدي إلى انهيار التهدئة الهشة والعودة إلى مربع العمليات العسكرية الواسعة، وهو سيناريو تحذر منه واشنطن والقاهرة بشدة نظراً لتداعياته الإقليمية المحتملة.
كما يبرز ملف الأوبئة والشتاء القارس كعامل ضغط قد يغير مجريات الأحداث؛ فاستمرار تفاقم الوضع الإنساني قد يدفع السكان إلى الانفجار أو محاولة اجتياز الحدود، مما سيخلق أزمة جديدة. ويرى الخبراء أن نجاح “لجنة إدارة غزة” مرهون بقدرتها على إحداث فرق ملموس وسريع في حياة المواطنين اليومية، من خلال توفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، وأي تأخير في الدعم الدولي لهذه اللجنة سيحكم عليها بالفشل المسبق ويعيد الفوضى الأمنية إلى الشوارع.
أخيراً، يبقى التساؤل الأبرز حول مدى التزام الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب بممارسة ضغوط حقيقية على كافة الأطراف لتثبيت السلام. فبينما تبدي واشنطن حماسة لتشكيل الهيئات الإدارية، لا تزال وتيرة إعادة الإعمار وإدخال المساعدات دون المستوى المطلوب بكثير. ويتوقع المحللون أن تكون الأسابيع المقبلة حاسمة؛ فإما أن نشهد تثبيتاً للواقع الجديد وبداية لورشة إعمار تاريخية، أو انزلاقاً نحو حرب استنزاف طويلة الأمد يدفع ثمنها المدنيون من دمائهم ومستقبل أطفالهم.