(لندن/القاهرة – رويترز)
سجلت أسعار الذهب قفزة تاريخية غير مسبوقة في تعاملات اليوم، الثلاثاء 20 يناير 2026، مخترقة حاجز 4700 دولار للأوقية (الأونصة) للمرة الأولى على الإطلاق، مدفوعة بموجة عاتية من الطلب على الملاذات الآمنة. ويأتي هذا الصعود الصاروخي وسط تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية وتجدد المخاوف من اندلاع حرب تجارية عالمية شاملة، بالتزامن مع ضبابية تحيط بمستقبل السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما دفع المستثمرين للهروب نحو المعدن الأصفر كتحوط رئيسي ضد تآكل الثروات.
التفاصيل: اختراق نفسي ومستويات قياسية جديدة
شهدت الأسواق العالمية اليوم تحركاً دراماتيكياً للمعدن النفيس، حيث لامس الذهب في المعاملات الفورية مستوى 4716 دولاراً للأوقية، مسجلاً أعلى مستوى في تاريخه، قبل أن يقلص مكاسبه قليلاً ليستقر حول مستويات 4700 دولار. ولم تكن العقود الآجلة للذهب الأمريكي (تسليم فبراير) بعيدة عن هذا المشهد، حيث تداولت هي الأخرى فوق مستوى 4706 دولارات، مما يؤكد أن الزخم الشرائي لا يقتصر على المضاربات اللحظية بل يمتد لعقود التحوط طويلة الأجل. ويأتي هذا الاختراق للحاجز النفسي الجديد بعد أقل من 24 ساعة من تسجيل المعدن لمستوى 4689 دولاراً، في وتيرة متسارعة أذهلت حتى أكثر المحللين تفاؤلاً في “وول ستريت”.
البيانات التي رصدتها “رويترز” تشير إلى أن الذهب لم يكتفِ بهذا الصعود اليومي فحسب، بل إنه حقق أفضل بداية لعام في تاريخه، حيث ارتفع بمقدار 256 دولاراً للأوقية منذ مطلع شهر يناير الجاري فقط. وتشير التحليلات الفنية إلى أن هذا الارتفاع، الذي بلغت نسبته حوالي 5.6% في الأسبوعين الماضيين، يعكس رغبة محمومة من المؤسسات المالية الكبرى في تجميع الذهب عند أي انخفاض طفيف، مما خلق أرضية دعم صلبة تمنع الأسعار من التصحيح العميق وتدفعها باستمرار نحو قمم جديدة.
وعلى صعيد التداولات المحلية في الشرق الأوسط ومصر، انعكس هذا الارتفاع العالمي بشكل فوري، حيث قفزت أسعار الجرام (عيار 21 و24) إلى مستويات قياسية جديدة تتناسب مع السعر العالمي وسعر صرف العملة المحلية. ويرى المتعاملون أن السوق يمر بحالة من “إعادة التسعير” الكاملة، حيث لم تعد القواعد القديمة للتسعير سارية في ظل تذبذب الدولار عالمياً ومخاوف التضخم التي عادت لتطل برأسها مجدداً مع السياسات الاقتصادية الحمائية التي تلوح في الأفق من الاقتصادات الكبرى.
الخلفية: “تجارة الخوف” وعودة شبح الرسوم الجمركية
المحرك الرئيسي وراء هذا الصعود الجنوني، بحسب مذكرة بحثية من EBC Financial Group، هو عودة مخاطر “الحرب التجارية” إلى واجهة الأحداث. فالتهديدات المتجددة بفرض تعريفات جمركية أمريكية صارمة على الواردات، وتحديداً التلميحات الأخيرة بفرض رسوم تصل إلى 200% على بعض السلع الأوروبية، خلقت حالة من الذعر في الأسواق المالية التقليدية. المستثمرون يخشون أن تؤدي هذه السياسات إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي وإشعال فتيل التضخم المستورد، مما يجعل الذهب، الذي لا يحمل مخاطر ائتمانية، الخيار الأوحد لحفظ القيمة في أوقات الاضطراب.
إلى جانب الملف التجاري، تلعب التوترات الجيوسياسية دوراً محورياً في دعم الأسعار. فمع استمرار المناوشات في أوكرانيا وتوتر الأوضاع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى التقارير عن هجمات صاروخية وعمليات عسكرية متبادلة، تظل علاوة المخاطر الجيوسياسية مرتفعة للغاية. هذا المشهد المعقد يدفع البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة والصين، إلى مواصلة ماراثون شراء الذهب لتقليل الاعتماد على الدولار كعملة احتياطي وحيدة، وهو ما يوفر طلباً هيكلياً مستداماً يتجاوز تقلبات السوق اليومية.
كما يراقب المستثمرون بقلق الضغوط السياسية المتزايدة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وهناك مخاوف متزايدة في الأسواق من أن يفقد البنك المركزي استقلاليته أو يضطر لتبني سياسات نقدية أكثر تيسيراً مما تتطلبه البيانات الاقتصادية، وذلك لتمويل العجز المتفاقم أو لدعم النمو بشكل مصطنع. هذه المخاوف من “الهيمنة المالية” وتسييس السياسة النقدية تضعف الثقة في العملات الورقية (Fiat Money) وتعزز مكانة الذهب كعملة عالمية بديلة لا يمكن طباعتها بقرار سياسي.
الأرقام: مؤشرات “تشبع” وتحركات المؤسسات
رغم الزخم القوي، تظهر المؤشرات الفنية بعض العلامات التحذيرية التي يجب الانتباه إليها. فمؤشر القوة النسبية (RSI) على الإطار اليومي يتداول حالياً فوق مستويات 70 نقطة، ومؤشر الستوكاستيك وصل إلى 100، وهي مستويات تشير عادة إلى “التشبع الشرائي”. تاريخياً، قد تسبق هذه القراءات عمليات جني أرباح سريعة أو تصحيحاً مؤقتاً، إلا أن المحللين في “سيتي بنك” يؤكدون أن في الأسواق ذات الاتجاه الصاعد القوي (Super Cycle)، يمكن للمؤشرات أن تظل في مناطق التشبع لفترات طويلة دون أن ينعكس السعر فعلياً.
وتظهر بيانات تدفقات الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) المدعومة بالذهب استمرار التدفقات الداخلة للأسبوع السادس على التوالي، مما يعكس عودة اهتمام المستثمرين الأفراد والمؤسسات الغربية بالذهب بعد فترة من الغياب في عام 2025. وتزامن ذلك مع تراجع مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) وابتعاده عن أعلى مستوياته المسجلة في ديسمبر الماضي، مما جعل الذهب أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى وزاد من جاذبيته الاستثمارية.
وبلغة الأرقام المقارنة، فإن الذهب حقق عائداً تجاوز 64% خلال عام 2025، ومع المكاسب الإضافية في مطلع 2026، فإن المعدن الأصفر يتفوق حالياً على معظم فئات الأصول الرئيسية بما في ذلك السندات الحكومية والعديد من مؤشرات الأسهم العالمية. وتشير تقديرات مجلس الذهب العالمي إلى أن استمرار مشتريات البنوك المركزية بوتيرة تتجاوز 1000 طن سنوياً قد يخلق عجزاً في المعروض المتاح للاستثمار، مما يضغط على الأسعار لمزيد من الصعود.
التوقعات: هل نرى الـ 5000 دولار قريباً؟
السؤال الذي يشغل بال الجميع الآن: هل الطريق ممهد نحو 5000 دولار؟ الإجابة وفقاً لأحدث تقارير البنوك الاستثمارية الكبرى هي “نعم”. فقد وضع بنك HSBC توقعات بأن يلامس الذهب هذا المستوى النفسي الهام في النصف الأول من عام 2026، بينما يرى محللون في J.P. Morgan أن هذا الهدف قد يتحقق بحلول الربع الرابع من العام نفسه. الحسابات الرقمية تشير إلى أن الذهب يحتاج لارتفاع بنسبة 6.4% فقط من مستوياته الحالية للوصول إلى 5000 دولار، وهو تحرك ليس بالمستحيل بالنظر إلى التقلبات الحالية.
ومع ذلك، يظل الطريق محفوفاً بالمخاطر. يرى الخبراء أن الخطر الأكبر الذي يهدد هذا السيناريو الصعودي هو حدوث قفزة مفاجئة في عوائد السندات الأمريكية أو تغير جذري في توقعات التضخم يدفع الفيدرالي للعودة لسياسة التشديد النقدي العنيف. وفي حال حدوث هدوء جيوسياسي مفاجئ أو حلول دبلوماسية للأزمات التجارية، قد يشهد الذهب موجة تصحيح حادة قد تعيده لاختبار مناطق الدعم عند 4400 دولار.
ختاماً، يبدو أن عام 2026 سيكون عاماً حاسماً في تاريخ المعدن الأصفر. فبينما تتجه الأنظار إلى بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وبيانات الناتج المحلي الأمريكي المنتظرة يوم الخميس المقبل للحصول على إشارات أوضح، يظل الإجماع العام في السوق هو أن الاتجاه العام صاعد، وأن الذهب قد رسخ أقدامه كأصل لا غنى عنه في المحافظ الاستثمارية لمواجهة تحديات الحقبة الاقتصادية الجديدة.