القاهرة (رويترز) – حافظت أسعار الذهب في مصر على استقرارها عند مستويات قياسية غير مسبوقة خلال تعاملات اليوم، الثلاثاء، مدعومة بقفزة عالمية هائلة للمعدن الأصفر الذي يواصل كسر الحواجز النفسية في البورصات الدولية. ويأتي هذا الأداء المتماسك للسوق المحلية متزامناً مع استقرار نسبي في سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار في القنوات الرسمية، مما يعكس نجاح السياسات النقدية الأخيرة في القضاء شبه الكامل على الفجوة السعرية مع السوق الموازية، ليصبح السعر العالمي هو المحرك الأوحد والأكثر تأثيراً على جيوب المستهلكين والمستثمرين في القاهرة.
تفاصيل المشهد الحالي: 21 قيراطاً يلامس سقفاً جديداً
شهدت محلات الصاغة في القاهرة والمحافظات المصرية اليوم حركة تداول حذرة، حيث سجل سعر جرام الذهب عيار 21، وهو المعيار الرئيسي لقياس أداء السوق والأكثر شعبية بين المصريين للمشغولات الذهبية، مستويات تتراوح حول 6260 إلى 6280 جنيهاً مصرياً (دون احتساب المصنعية). هذا الرقم، الذي كان يُعد ضرباً من الخيال قبل عامين، أصبح اليوم واقعاً يتعامل معه السوق كمرجعية أساسية، مدفوعاً بآليات العرض والطلب الحقيقية بعيداً عن مضاربات العملة التي كانت سائدة في السابق. ويشير التجار إلى أن حركة البيع والشراء لم تتوقف، بل تحولت نوعياً؛ حيث زاد الإقبال على السبائك الصغيرة والعملات الذهبية كأدوات تحوط وملاذ آمن، بينما تراجع الطلب نسبياً على المشغولات التزينية الثقيلة.
وفي سياق متصل، سجل عيار 18، الذي بات الملاذ البديل للطبقة المتوسطة وراغبي اقتناء الحلي بأسعار أقل وطأة، مستويات تقارب 5365 جنيهاً للجرام. ويعكس هذا الصعود القوي في الأعيرة الأقل نقاءً تحولاً في سلوك المستهلك المصري الذي بدأ يبحث عن بدائل توازن بين الرغبة في الاقتناء وبين القدرة الشرائية التي تآكلت بفعل التضخم العالمي والمحلي. كما بدأت تظهر في الأسواق بشكل ملحوظ أعيرة كانت نادرة التداول سابقاً، مثل عيار 14 الذي تجاوز سعره حاجز 4170 جنيهاً، ليقدم خياراً اقتصادياً للأسر الراغبة في إتمام مراسم الزواج بأقل التكاليف الممكنة في ظل هذه الأسعار الفلكية.
وعلى صعيد التعاملات الفورية، أوضح متعاملون في سوق الصاغة بمنطقة الحسين والجمالية أن الفارق بين سعر البيع والشراء (السبريد) قد تقلص بشكل ملحوظ مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت تقلبات عنيفة في سعر الصرف. هذا التقلص يُعد مؤشراً صحياً على استقرار السوق وشفافية التسعير، حيث بات التسعير يتم لحظياً بناءً على شاشات البورصة العالمية (التي تجاوزت 4700 دولار للأونصة) مقسومة على سعر الصرف الرسمي في البنوك، مع هامش ربح تجاري منطقي، مما أنهى حقبة “التحوط المبالغ فيه” التي كان يفرضها التجار لتأمين أنفسهم ضد مخاطر تذبذب الدولار في السوق السوداء التي تلاشت فعاليتها.
خلفية الصعود: بين العالمية واستقرار الجنيه
لفهم ما يحدث اليوم في سوق الذهب المصري، لا بد من النظر إلى الصورة الأكبر التي تشكلت معالمها بوضوح خلال الأشهر الماضية. فقد نجحت السياسات الاقتصادية المصرية في تثبيت أقدام الجنيه المصري، مدعومة بتدفقات نقدية واستثمارات أجنبية مباشرة، مما أدى إلى اختفاء ظاهرة “الدولرة” التي كانت المحرك الرئيسي لأسعار الذهب محلياً بمعزل عن السعر العالمي. اليوم، باتت مصر جزءاً لا يتجزأ من السوق العالمي، تتأثر به صعوداً وهبوطاً بشكل مباشر. وما يشهده العالم من توترات جيوسياسية متفاقمة، بالإضافة إلى سياسات التيسير النقدي التي تنتهجها البنوك المركزية الكبرى بقيادة الفيدرالي الأمريكي، جعل الذهب يتصدر المشهد كأصل استثماري لا منافس له.
تاريخياً، كان الذهب في مصر يسعر بناءً على “دولار الصاغة” الذي كان يتجاوز السعر الرسمي بهامش كبير، إلا أن التطورات الأخيرة وتوحيد سعر الصرف جعلا المعادلة أكثر بساطة ووضوحاً. الارتفاع الحالي الذي نراه اليوم (حيث قفزت الأونصة عالمياً بأكثر من 50 دولاراً في جلسة واحدة لتسجل 4719 دولاراً) انتقل صداه فوراً إلى السوق المحلي. هذا الارتباط الوثيق يعني أن المستثمر المصري أصبح يراقب بيانات التضخم الأمريكية وقرارات الفائدة في واشنطن بنفس القدر الذي يراقب به قرارات البنك المركزي المصري، في دلالة واضحة على نضوج السوق واندماجه في المنظومة المالية العالمية.
علاوة على ذلك، ساهم الطلب المؤسسي من قبل البنوك المركزية حول العالم، والتي تواصل تكديس الذهب ضمن احتياطياتها، في خلق أرضية صلبة للأسعار تمنعها من الانهيار حتى في حالات جني الأرباح. وبالنسبة للسوق المصري، فإن استمرار الحكومة في توفير السيولة الدولارية اللازمة للاستيراد ساهم في تهدئة المخاوف، مما جعل الذهب يتحرك وفقاً لقيمته الحقيقية كمعدن نفيس وليس كمخزن للقيمة ضد انهيار العملة، وهو فارق جوهري يدركه المحللون الماليون عند قراءة المشهد الحالي مقارنة بسيناريوهات عامي 2023 و2024.
لغة الأرقام: مستويات قياسية ومصنعية متغيرة
بالانتقال إلى لغة الأرقام الدقيقة التي رصدتها “رويترز” من خلال جولة في الأسواق وتدقيق البيانات الرسمية، نجد أن سعر الجنيه الذهب (الذي يزن 8 جرامات من عيار 21) قد سجل رقماً تاريخياً بتجاوزه حاجز 50,000 جنيه، ليصل تحديداً إلى حوالي 50,180 جنيهاً. هذا الرقم يمثل قيمة سبائكية خالصة دون احتساب مصنعية “التغليف” أو الدمغة، وهو ما يجعله الخيار المفضل للمدخرين الصغار. أما عيار 24، وهو الذهب الخالص المستخدم في صناعة السبائك الاستثمارية الكبرى (الأونصات والكيلوجرامات)، فقد حلق بعيداً ليسجل 7160 جنيهاً للجرام، مما يضع تكلفة “السبيكة 10 جرام” فوق حاجز الـ 72 ألف جنيه، وهو رقم يعكس حجم التضخم في أسعار الأصول الحقيقية.
وفيما يخص “المصنعية”، وهي القيمة المضافة التي يحصل عليها التاجر والصانع، فقد شهدت هي الأخرى زيادات تتماشى مع التضخم العام. وتتراوح مصنعية الجرام الواحد لعيار 21 حالياً بين 150 إلى 250 جنيهاً حسب دقة المشغولات والعلامة التجارية (Brand)، في حين ترتفع مصنعية عيار 18 لتتراوح بين 200 إلى 350 جنيهاً نظراً لتعقيد تشكيلاته وزيادة الهالك أثناء التصنيع. وينصح الخبراء دائماً عند الشراء لغرض الاستثمار بالابتعاد عن المشغولات ذات المصنعية المرتفعة والتركيز على السبائك الخام (BTC أو Sam وأمثالهما) التي تكون مصنعيتها أقل ويتم استرداد جزء منها عند البيع (الكاش باك).
على الصعيد العالمي، الأرقام تتحدث عن نفسها بقوة أكبر. سعر الأونصة في البورصات الفورية (Spot Price) سجل 4719.64 دولار، بزيادة يومية تجاوزت 1%، بينما تشير العقود الآجلة إلى مستويات أعلى، مما يضغط على الأسواق الناشئة مثل مصر. هذه الأرقام تعني أن جرام الذهب عيار 24 “دولارياً” يساوي حوالي 151.76 دولار، وبعملية حسابية بسيطة بضرب هذا الرقم في سعر صرف الدولار الرسمي (حوالي 47-48 جنيهاً)، نجد تطابقاً شبه تام مع السعر المحلي، مما يؤكد انتهاء ظاهرة التسعير العشوائي.
التوقعات المستقبلية: هل نرى الـ 5000 دولار؟
ينظر المحللون الماليون إلى المستقبل القريب بعين من الترقب، حيث تشير معظم التقارير الصادرة عن بنوك الاستثمار العالمية (مثل جولدمان ساكس وجي بي مورجان) إلى أن الذهب في طريقه لاختبار مستوى 5000 دولار للأونصة قبل نهاية الربع الأول من عام 2026. إذا تحقق هذا السيناريو، فإن انعكاساته على السوق المصري ستكون فورية، حيث قد نرى عيار 21 يتجاوز حاجز 6500 جنيه وربما يقترب من 7000 جنيه للجرام، خاصة إذا تزامن ذلك مع أي تحرك طفيف في سعر العملة المحلية.
محلياً، يرى خبراء شعبة الذهب باتحاد الغرف التجارية أن الطلب سيظل مرتفعاً، ليس فقط لغرض الزينة، ولكن لأن الذهب أثبت تاريخياً في مصر أنه “الحصان الرابح” الذي يحفظ القوة الشرائية للأموال. ويتوقع هؤلاء أن تشهد الفترة المقبلة ابتكارات جديدة في السوق، مثل طرح سبائك بأوزان متناهية الصغر (نصف جرام وواحد جرام) لتتناسب مع القدرات الشرائية المتراجعة للمواطنين، في محاولة للحفاظ على حركة المبيعات وتنشيط السوق الذي قد يصيبه الركود التضخمي إذا استمرت الأسعار في هذا المنحنى التصاعدي الحاد.
ختاماً، تبقى النصيحة الذهبية التي يوجهها المستشارون الماليون للمواطنين هي “التنويع” وعدم الانجراف وراء الشراء في القمم السعرية للمضاربة قصيرة الأجل، حيث أن الذهب استثمار طويل الأمد بطبيعته. ومع استقرار الأوضاع الاقتصادية الكلية في مصر وتلاشي السوق الموازية، فإن المخاطر الوحيدة المتبقية هي مخاطر التقلبات العالمية، وهي مخاطر يجب أن يكون المستثمر الفرد على دراية تامة بها قبل اتخاذ قرار الشراء أو البيع في هذه الأوقات التاريخية.