تقرير موسع: أسعار الذهب في السعودية تسجل مستويات تاريخية وتكسر حاجز التوقعات وسط اضطرابات عالمية (21 يناير 2026)

تقرير موسع: أسعار الذهب في السعودية تسجل مستويات تاريخية وتكسر حاجز التوقعات وسط اضطرابات عالمية (21 يناير 2026)

(الرياض – وكالات)

شهدت أسواق الذهب في المملكة العربية السعودية، اليوم الأربعاء 21 يناير 2026، قفزة سعرية غير مسبوقة وضعت المعدن النفيس عند مستويات تاريخية جديدة، متجاوزاً كافة التوقعات التي رسمها المحللون في مطلع العام الجاري. يأتي هذا الصعود المدوي مدعوماً بموجة من الاضطرابات الجيوسياسية العالمية التي دفعت المستثمرين والأفراد على حد سواء للهروب نحو “الملاذ الآمن”، مما عزز من قيمة الأصول الذهبية مقابل العملات الورقية. وفي ظل تذبذب مؤشر الدولار وترقب قرارات البنوك المركزية الكبرى، سجلت شاشات التداول في الرياض وجدة والدمام أرقاماً قياسية لجميع الأعيرة، مما يضع السوق السعودي أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم الأصول والثروات، وسط إقبال ملحوظ على السبائك كمخزن للقيمة في وجه التضخم العالمي.

التفاصيل.. قفزات سعرية تربك حسابات السوق

في تفاصيل المشهد الصباحي لهذا اليوم، افتتحت محلات الصاغة وتجار الذهب في المملكة تعاملاتهم على ارتفاعات حادة مقارنة بإغلاقات الأمس، حيث سجل سعر الجرام من عيار 24 (الذهب الخالص) مستويات تراوحت ما بين 582 و 586 ريالاً سعودياً، وهو رقم يعكس بوضوح حجم الطلب الهائل ونقص المعروض العالمي من السبائك الخام. هذا العيار، الذي يُعد المعيار الأساسي لتسعير السبائك الاستثمارية، بات المحرك الرئيسي لتوجهات السيولة في السوق، حيث يفضل كبار المستثمرين الاحتفاظ به لتجنب رسوم المصنعية المرتفعة المرتبطة بالمشغولات.

على صعيد متصل، قفز عيار 21، وهو الأكثر شعبية ورواجاً في الشارع السعودي والمستخدم بكثافة في صناعة الحلي والمجوهرات، ليكسر حواجز نفسية جديدة مسجلاً ما بين 512 و 515 ريالاً سعودياً للجرام الواحد قبل احتساب المصنعية. هذا الارتفاع الكبير ألقى بظلاله على حركة مبيعات التجزئة، حيث بدأ المستهلكون في إعادة التفكير في نمط الشراء، مفضلين الأوزان الخفيفة أو التوجه نحو بيع مدخراتهم القديمة للاستفادة من الفارق السعري الكبير الذي تحقق خلال الأشهر القليلة الماضية. ويشير التجار إلى أن حركة البيع العكسي (من المستهلك إلى التاجر) نشطت بشكل ملحوظ في الساعات الأولى من الصباح.

أما عيار 18، الذي يشهد إقبالاً متزايداً من فئة الشباب ولأغراض الهدايا نظراً لصلابته وتنوع تصاميمه، فقد استقر عند مستويات قياسية تلامس 438 إلى 441 ريالاً سعودياً. ورغم أنه الأقل سعراً بين الأعيرة المتداولة، إلا أن ارتفاعه فوق حاجز الـ 400 ريال يمثل علامة فارقة في تاريخ تسعير الذهب بالمملكة. ويؤكد خبراء السوق أن هذه الأسعار لا تشمل تكاليف “المصنعية” والضرائب، التي تختلف من تاجر لآخر ومن منطقة لأخرى، مما يعني أن السعر النهائي للمستهلك قد يتجاوز هذه الأرقام بنسبة تتراوح بين 5% إلى 10%، مما يزيد من العبء على الراغبين في اقتناء المعدن للزينة.

الخلفية الاقتصادية.. لماذا يشتعل الذهب الآن؟

لفهم ما يحدث في السوق السعودي اليوم، لا بد من توسيع العدسة لتشمل المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي. يرتبط الريال السعودي بالدولار الأمريكي، مما يجعل أسعار الذهب المحلية مرآة مباشرة للتحركات العالمية. وتشير التقارير الواردة من الأسواق الدولية إلى أن الذهب عالمياً قد كسر حاجز 4800 دولار للأونصة، مدفوعاً بمخاوف حقيقية من ركود اقتصادي يلوح في الأفق في الاقتصادات الغربية، بالإضافة إلى التوترات المتصاعدة في مناطق نفوذ جيوسياسية حساسة، مما جعل الذهب هو الخيار الوحيد الموثوق لحفظ القيمة.

في السياق ذاته، تلعب سياسات البنك الفيدرالي الأمريكي دوراً محورياً في هذه المعادلة. فمع تزايد التكهنات بأن الفيدرالي قد يضطر لخفض أسعار الفائدة أو تثبيتها لفترة أطول دون زيادات، تتراجع جاذبية السندات الأمريكية والدولار كأوعية استثمارية، مما يدفع رؤوس الأموال الضخمة للتدفق نحو صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs) والذهب المادي. هذا الارتباط العكسي التقليدي بين الفائدة والذهب يظهر اليوم بأوضح صوره، حيث يستفيد المعدن الأصفر من أي إشارة ضعف في البيانات الاقتصادية الأمريكية، وينعكس ذلك فوراً على التسعير في أسواق الخليج والسعودية.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال دور البنوك المركزية العالمية التي تواصل مراكمة احتياطياتها من الذهب بمعدلات قياسية لعام 2026. هذا التوجه الرسمي نحو “تنويع الاحتياطيات” بعيداً عن الدولار يخلق طلباً مستداماً وصلباً يمنع الأسعار من الانهيار حتى في لحظات التصحيح. وبالنسبة للسوق السعودي، فإن القوة الشرائية القوية للاقتصاد المحلي، مدعومة بأسعار نفط مستقرة نسبياً، تجعل الطلب الداخلي عاملاً مساعداً في بقاء الأسعار عند مستوياتها العليا، حيث ينظر المواطنون والمقيمون للذهب كجزء أساسي من ثقافتهم الادخارية.

لغة الأرقام.. السبائك والجنيهات تقود المشهد

بالانتقال إلى لغة الأرقام الدقيقة التي تهم المستثمر المباشر، نجد أن أسعار السبائك قد حلقت بعيداً عن متناول صغار المدخرين التقليديين. ففي تعاملات اليوم، سجلت أونصة الذهب (التي تزن 31.1 جرام) سعراً يقارب 18,160 ريالاً سعودياً، وهو رقم فلكي مقارنة بمعدلات العام الماضي. هذا السعر للأونصة يعد المؤشر المرجعي الذي تبنى عليه كافة حسابات السبائك الأخرى، ويعكس بوضوح حجم التضخم في أسعار الأصول الحقيقية.

أما الجنيه الذهب، الذي يزن 8 جرامات من عيار 21 ويعتبر العملة الذهبية الأكثر تداولاً وشعبية في السعودية للاستثمار المتوسط، فقد قفز سعره ليتجاوز حاجز 4,080 ريالاً سعودياً، وقد يصل في بعض المحلات الكبرى إلى 4,150 ريالاً عند إضافة رسوم الدمغة والتغليف. هذا الارتفاع جعل من الجنيه الذهب وحدة قياس حقيقية للتضخم، حيث كان سعره قبل عامين فقط يقل عن هذا الرقم بنسبة قد تصل إلى 40%، مما يؤكد وجهة نظر المحللين بأن الذهب هو التحوط الأمثل.

وفيما يخص السبائك الصغيرة التي يكثر الطلب عليها، سجلت سبيكة الـ 5 جرامات من عيار 24 سعراً يدور حول 3,225 ريالاً، بينما وصلت سبيكة الـ 10 جرامات إلى مستويات 6,350 ريالاً. أما سبيكة الكيلوجرام الواحدة، التي تستهدف كبار المستثمرين والشركات، فقد اقتربت من حاجز 600,000 ريال سعودي (حوالي 599,400 ريال)، وهو رقم يوضح ضخامة السيولة المطلوبة لدخول سوق الجملة في الوقت الراهن. هذه الأرقام تعكس واقعاً جديداً يفرض على المستثمرين إعادة حساب تكلفة الفرصة البديلة قبل اتخاذ قرارات الشراء أو البيع.

التوقعات.. هل يستمر الصعود أم ننتظر التصحيح؟

تشير التوقعات المستقبلية، بناءً على آراء محللي بنوك الاستثمار العالمية وخبراء السوق السعودي، إلى أن الاتجاه العام للذهب لا يزال صاعداً (Bullish) على المدى المتوسط والبعيد. يرى الخبراء أن العوامل التي دفعت الذهب لهذا الصعود التاريخي في يناير 2026 لا تزال قائمة وبقوة، خاصة مع عدم وجود بوادر انفراجة قريبة في الأزمات الجيوسياسية أو استقرار نهائي في سياسات الفائدة. وبالتالي، فإن أي تراجع في الأسعار يعتبره المحللون “فرصة للشراء” (Dip Buying) وليس تغيراً في الاتجاه العام.

على الجانب الآخر، يحذر بعض المراقبين من احتمالية حدوث عمليات “جني أرباح” سريعة قد تؤدي إلى تذبذب الأسعار بشكل مؤقت في الأيام القليلة المقبلة. هذا التصحيح الفني يعتبر صحياً للأسواق لالتقاط الأنفاس بعد الماراثون السعري الأخير، ولكنه قد يسبب خسائر للمضاربين الذين يشترون عند القمم السعرية دون دراسة. لذا، ينصح الخبراء المستهلكين في السعودية بعدم الانجراف وراء المضاربات اليومية، والتركيز على الاستثمار طويل الأجل، حيث أثبت الذهب تاريخياً قدرته على تعويض أي تراجعات مؤقتة.

ختاماً، يتوقع أن يظل السوق السعودي في حالة ترقب حذر خلال الأسابيع القادمة، مع حساسية مفرطة تجاه أي أخبار تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية أو مناطق النزاع. وتبقى النصيحة الذهبية للمواطنين والمقيمين هي تنويع المحفظة الاستثمارية وعدم وضع كامل السيولة في أصل واحد عند هذه المستويات المرتفعة، مع مراقبة شاشات التداول لحظة بلحظة، فالذهب في 2026 لم يعد مجرد زينة، بل أصبح مؤشراً اقتصادياً معقداً يتطلب حكمة في التعامل.

إقرأ أيضاً من موقعنا: