تقرير موسع: دوري أبطال آسيا للنخبة 2026.. هيمنة سعودية مطلقة وصراع شرس في الشرق مع اقتراب الحسم القاري

تقرير موسع: دوري أبطال آسيا للنخبة 2026.. هيمنة سعودية مطلقة وصراع شرس في الشرق مع اقتراب الحسم القاري

الرياض/كوالالمبور – (رويترز) –

تعيش كرة القدم الآسيوية حالة من الترقب الشديد مع وصول منافسات “دوري أبطال آسيا للنخبة” لموسم 2025-2026 إلى مراحلها الحاسمة، حيث تستعد الأندية لاستئناف الصراع القاري في فبراير المقبل لحسم بطاقات التأهل إلى دور الستة عشر. وتبرز الأندية السعودية كقوة ضاربة لا يمكن إيقافها في منطقة الغرب، مستندة إلى ترسانة من النجوم العالميين والاستقرار الفني، بينما يشهد الشرق صراعاً معقداً تتصدره الأندية اليابانية التي تحاول فرض إيقاعها السريع. ومع اقتراب إسدال الستار على “مرحلة الدوري”، يتزايد الحديث عن الفوارق الفنية والمالية التي أحدثها النظام الجديد للبطولة، والذي وضع القارة الصفراء على أعتاب حقبة جديدة من الاحترافية والمداخيل الفلكية.

تفاصيل المشهد الحالي: الهدوء الذي يسبق عاصفة فبراير

مع توقف المنافسات مؤقتاً في شهر يناير 2026 لالتقاط الأنفاس، تتجه الأنظار صوب الجولتين الحاسمتين (السابعة والثامنة) المقررتين في التاسع والعاشر من فبراير المقبل. في منطقة الغرب، يبدو نادي الهلال السعودي في كوكب آخر، حيث يتربع على قمة الترتيب بالعلامة الكاملة (18 نقطة من 6 مباريات)، مقدماً مستويات تكتيكية أذهلت المراقبين، فيما يواصل جاره النادي الأهلي -حامل اللقب في النسخة الماضية- حملة الدفاع عن لقبه بنجاح وثبات، محتلاً وصافة الترتيب وموجهاً رسالة شديدة اللهجة للمنافسين. على الجانب الآخر، يكافح نادي النصر والاتحاد لضمان مراكز متقدمة تمنحهم قرعة أسهل في الأدوار الإقصائية، وسط منافسة شرسة من أندية مثل “تراكتور” الإيراني الذي يمثل الحصان الأسود للبطولة حتى الآن.

وفي الشطر الشرقي للقارة، تبدو الخارطة أكثر تعقيداً وتشابكاً. يفرض نادي “فيسيل كوبي” الياباني سيطرته على الصدارة، مستفيداً من انضباطه التكتيكي العالي، بينما يلاحقه مواطنه “ماشيدا زيلفيا” و”سانفريس هيروشيما”، مما يعكس النهضة الكبيرة للكرة اليابانية في هذه النسخة. المثير للاهتمام هو التراجع النسبي للأندية الصينية مثل “شانغهاي بورت”، الذي يعاني في قاع الترتيب، مما يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة أندية “السوبر ليغ” الصيني على مجاراة النسق العالي للنخبة الآسيوية في ظل القيود المالية الجديدة. ومع تبقي جولات قليلة، أصبحت كل نقطة بمثابة طوق نجاة، حيث تفصل نقاط قليلة بين المركز الثامن المؤهل والمركز التاسع الذي يعني الخروج المبكر.

وتشير التقارير الفنية الواردة من كوالالمبور إلى أن الجولات المقبلة ستشهد معارك تكتيكية من الطراز الرفيع، خاصة مباراة القمة المنتظرة بين فيسيل كوبي وإف سي سول الكوري، ومواجهة الهلال ضد الأندية القطرية التي تحاول استعادة توازنها. الأندية السعودية استغلت فترة التوقف الحالية لإقامة معسكرات قصيرة وتجهيز المصابين، مدركة أن الخطأ في مرحلة الدوري الموحد (النظام السويسري) قد يكلفها مواجهة مبكرة مع أحد العمالقة في دور الـ16، وهو سيناريو يحاول الجميع تجنبه قبل الوصول إلى التجمع النهائي في جدة.

خلفية البطولة: ثورة “النخبة” وتغيير موازين القوى

لم يكن تحول الاتحاد الآسيوي لكرة القدم إلى نظام “دوري أبطال آسيا للنخبة” (ACLE) مجرد تغيير في الاسم، بل كان انقلاباً جذرياً في هيكلة كرة القدم في القارة. تم تقليص عدد الفرق المشاركة إلى 24 فريقاً فقط (12 في الغرب و12 في الشرق)، مما رفع من حدة التنافسية وأقصى الفرق الضعيفة التي كانت تتواجد في دور المجموعات التقليدي سابقاً. هذا النظام، الذي يعتمد على دوري من مرحلة واحدة يلعب فيه كل فريق 8 مباريات ضد منافسين مختلفين، خلق مواجهات “كلاسيكو” متكررة، وجعل من كل مباراة حدثاً تسويقياً ضخماً، وهو ما كان يطمح إليه صناع القرار في الاتحاد الآسيوي لمنافسة جاذبية دوري أبطال أوروبا.

التغيير الجوهري الآخر كان في نظام اللاعبين الأجانب، حيث سمح الاتحاد الآسيوي بفتح الباب على مصراعيه، وهو ما صب بشكل مباشر في مصلحة الأندية السعودية التي تمتلك قدرات مالية هائلة مكنتها من استقطاب نجوم الصف الأول من أوروبا. وجود أسماء بحجم نيمار، ميتروفيتش، وكانسيلو (في الهلال)، وكريستيانو رونالدو (في النصر)، ورياض محرز (في الأهلي)، نقل المنافسة إلى مستوى عالمي غير مسبوق. هذا التحول جعل من أندية غرب آسيا، وتحديداً السعودية، القوة المهيمنة، مما أنهى سنوات من السجال المتكافئ بين الشرق والغرب، حيث بات الفارق الفني يميل بوضوح لصالح أندية دوري “روشن”.

علاوة على ذلك، كان القرار الاستراتيجي بإقامة الأدوار النهائية (من ربع النهائي حتى النهائي) بنظام التجمع في المملكة العربية السعودية خطوة محورية. هذا القرار ضمن بنية تحتية عالمية للمباريات، وحضوراً جماهيرياً قياسياً، وعوائد بث تلفزيوني غير مسبوقة. فوز النادي الأهلي السعودي بالنسخة الأولى تحت هذا المسمى (2024-2025) عزز من فكرة أن الكأس قد لا تغادر الرياض أو جدة لسنوات قادمة، مما يضع ضغطاً هائلاً على أندية شرق القارة لإيجاد حلول تكتيكية مبتكرة لتعويض الفارق في جودة الأفراد.

لغة الأرقام: جوائز فلكية وإحصائيات مرعبة

تتحدث لغة المال بوضوح في النسخة الحالية، حيث رصد الاتحاد الآسيوي جوائز مالية هي الأضخم في تاريخ القارة. يحصل الفائز باللقب على ما يقارب 12 مليون دولار أمريكي، وهو مبلغ يمثل ثلاثة أضعاف ما كان يحصل عليه البطل في النظام القديم (4 ملايين دولار). هذه القفزة الهائلة في العوائد المالية، بالإضافة إلى مخصصات السفر والدعم اللوجستي، جعلت الأندية تتعامل مع البطولة كأولوية قصوى، حتى على حساب دورياتها المحلية. القيمة السوقية الإجمالية للأندية المشاركة في دوري النخبة تجاوزت حاجز المليار دولار لأول مرة، مع استحواذ نادي الهلال وحده على حصة الأسد بقيمة سوقية تفوق عدة أندية يابانية وكورية مجتمعة.

على صعيد الإحصائيات الفنية، يتصدر الهجوم السعودي المشهد، حيث سجل الهلال والأهلي أعلى معدلات تهديفية في دور المجموعات حتى الآن، بمعدل يقارب 3 أهداف في المباراة الواحدة. الصربي ألكسندر ميتروفيتش (الهلال) يواصل هوايته في هز الشباك متصدراً قائمة الهدافين، بينما يبرز النجم الجزائري رياض محرز كأفضل صانع ألعاب في البطولة، مؤكداً قيمته الفنية الكبيرة. في المقابل، تتميز الأندية اليابانية بالصلابة الدفاعية، حيث استقبل فيسيل كوبي أقل عدد من الأهداف في منطقة الشرق، معتمداً على منظومة دفاعية جماعية تعوض غياب النجوم العالميين.

الحضور الجماهيري سجل هو الآخر أرقاماً قياسية، خاصة في مباريات الأندية السعودية واليابانية. وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن متوسط الحضور في مباريات النخبة ارتفع بنسبة 40% مقارنة بالنسخ السابقة، مدفوعاً بجودة المباريات والنجوم المتواجدين. كما شهدت منصات البث الرقمي نمواً هائلاً في المشاهدات من خارج القارة الآسيوية، وتحديداً من أوروبا وأمريكا الجنوبية، لمتابعة نجومهم المفضلين، مما يفتح آفاقاً استثمارية جديدة للاتحاد الآسيوي ورعاته التجاريين.

التوقعات ومسار البطولة: هل يمكن إيقاف الهلال؟

مع اقتراب مراحل الحسم، يجمع المحللون والخبراء على أن الهلال السعودي هو المرشح الأول والابرز لمعانقة اللقب. الفريق الأزرق لا يملك فقط أفضل تشكيلة لاعبين في القارة، بل يمتلك أيضاً “شخصية البطل” والخبرة الكافية للتعامل مع ضغوط الأدوار الإقصائية. التوقعات تشير إلى أن الهلال قد يحسم تأهله كمتصدر لمنطقة الغرب بسهولة، مما يمنحه طريقاً ممهداً نسبياً نحو ربع النهائي. ومع ذلك، يبقى الحذر واجباً من الجار اللدود النصر، الذي يملك القدرة على قلب الموازين في مباراة واحدة بفضل فرديات رونالدو وماني، بالإضافة إلى الأهلي الذي أثبت أنه متخصص في الكؤوس القارية.

بالنسبة لأندية الشرق، تبدو المهمة شاقة ولكنها ليست مستحيلة. الرهان الأكبر يقع على عاتق الأندية اليابانية (فيسيل كوبي وهيروشيما) لاستغلال عامل السرعة واللياقة البدنية العالية لمحاولة إرهاق الخصوم في الغرب. السيناريو المتوقع هو أن تحاول أندية الشرق جر المباريات إلى أوقات إضافية أو ركلات ترجيح لتقليص الفوارق الفنية. ومع ذلك، فإن إقامة الأدوار النهائية في جدة تعطي أفضلية كاسحة للأندية السعودية، التي ستلعب وسط جماهيرها وعلى ملاعب تألفها جيداً، مما يجعل مهمة أي زائر “انتحارية” بكل المقاييس.

وفي الختام، فإن نسخة 2026 من دوري أبطال آسيا للنخبة ليست مجرد بطولة عابرة، بل هي اختبار حقيقي لمستقبل الكرة الآسيوية. إذا استمرت الهيمنة السعودية المطلقة، فقد يدفع ذلك الاتحاد الآسيوي وأندية الشرق لإعادة التفكير في استراتيجياتهم المستقبلية لضمان التوازن. ولكن حتى تلك اللحظة، يبدو أن الكأس القارية محجوزة مبدئياً في خزائن الرياض أو جدة، بانتظار معجزة كروية قادمة من الشرق قد تقلب كل التوقعات رأساً على عقب في ربيع 2026.

إقرأ أيضاً من موقعنا: