دافوس (سويسرا) – رويترز: وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة وثلوج جبال الألب التي تغطي منتجع دافوس السويسري، انطلقت يوم الاثنين الماضي فعاليات الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي، في دورة توصف بأنها “الأكثر حساسية” منذ عقود. تحت شعار “روح الحوار” (A Spirit of Dialogue)، يجتمع أكثر من 3000 من قادة العالم ورؤساء الشركات الكبرى والمفكرين، في محاولة يائسة لترميم الثقة المتآكلة في نظام عالمي يترنح تحت وطأة التوترات الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية المتسارعة. وتخيم على الأجواء عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المشهد الدولي بقوة، إلى جانب الهيمنة المطلقة لملف الذكاء الاصطناعي الذي بات المحرك الأول -والمخيف في آن واحد- للاقتصاد العالمي.
تفاصيل الحدث: أجندة مثقلة بالهموم العالمية والتحولات التكنولوجية
شهدت الأيام الأولى للمنتدى، الذي يستمر حتى 23 يناير الجاري، حضوراً سياسياً واقتصادياً ثقيلاً يعكس خطورة المرحلة. الوفد الأمريكي، الأكبر في تاريخ مشاركات واشنطن، يتصدر المشهد، حيث تتجه الأنظار إلى التحركات الأمريكية الجديدة التي يبدو أنها تعيد رسم خريطة التحالفات التقليدية. وفي المقابل، يبرز الحضور القوي لقادة التكنولوجيا، وعلى رأسهم جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”، وساتيا ناديلا من “مايكروسوفت”، وديميس هاسabis من “جوجل ديب مايند”، مما يؤكد أن “وادي السيليكون” بات يمتلك نفوذاً يضاهي، وربما يتجاوز، نفوذ الحكومات التقليدية في تحديد مسار المستقبل.
على الرغم من الشعار الرنان “روح الحوار”، فإن الكواليس تشير إلى واقع أكثر تعقيداً. الجلسات المغلقة تشهد نقاشات حادة حول مفهوم “السيادة التكنولوجية”، حيث تسعى الدول الكبرى لفرض طوق من التنظيمات على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وسط مخاوف حقيقية من تأثيره على أسواق العمل والديمقراطية. المشاركون يجدون أنفسهم أمام معضلة: كيف يمكن تعزيز التعاون الدولي في وقت تتجه فيه القوى العظمى نحو الانعزالية والحمائية التجارية؟ وهو السؤال الذي يتردد صداه في أروقة مركز المؤتمرات، دون إجابات واضحة حتى الآن.
ومن اللافت في هذه الدورة الحضور الأوروبي المكثف بقيادة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محاولة لتوحيد الصف الأوروبي أمام المتغيرات عبر الأطلسي. كما يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يسعى لحشد دعم دولي متجدد في ظل جمود الموقف الميداني. وفي تطور لافت للنظر، يشارك مارك كارني بصفته رئيساً لوزراء كندا، مما يضيف ديناميكية جديدة للعلاقات الشمال أمريكية، خاصة في ظل النقاشات حول الطاقة والتجارة البينية.
الخلفية الجيوسياسية: عالم منقسم يبحث عن نقاط التقاء
يأتي منتدى دافوس 2026 في توقيت يصفه الخبراء بـ”نقطة التحول التاريخية”. العالم لم يعد ثنائي القطب كما كان، ولا أحادي القطب كما ساد لفترة وجيزة، بل أصبح “متعدد الأقطاب ومتشظياً”. تقارير المخاطر العالمية التي سبقت المنتدى وضعت “المواجهة الجيواقتصادية” على رأس التهديدات. السياسات الحمائية لم تعد مجرد تكتيكات تفاوضية، بل تحولت إلى عقيدة راسخة لدى الاقتصادات الكبرى، مما يهدد بتفكيك سلاسل التوريد العالمية التي بنيت عليها العولمة طوال العقود الثلاثة الماضية.
الوضع في الشرق الأوسط وأوكرانيا يلقي بظلال كثيفة على المناقشات. ورغم أن المنتدى اقتصادي في المقام الأول، إلا أن السياسة تفرض نفسها بقوة. النقاشات تتناول ما يسمى بـ”مبدأ دونرو” (The Donroe Doctrine) الجديد، الذي يشير إلى تركيز الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي وتقليص انخراطها في النزاعات البعيدة، وهو ما يثير قلق الحلفاء في أوروبا وآسيا. هذا الانسحاب التدريجي للقوة العظمى من دور “الشرطي العالمي” يترك فراغاً تتسابق قوى أخرى لملئه، مما يزيد من حالة عدم اليقين والاستقطاب.
علاوة على ذلك، يواجه العالم تحدياً وجودياً يتمثل في تراجع الاهتمام بملف التغير المناخي لصالح سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي. المخاطر البيئية، التي كانت تتصدر أجندة دافوس في السنوات الماضية، تراجعت قليلاً هذا العام لصالح “قلق الذكاء الاصطناعي” (AI Anxiety). هذا التحول في الأولويات يعكس قناعة النخبة العالمية بأن التكنولوجيا ستكون العامل الحاسم في تحديد موازين القوى في العقد المقبل، حتى لو كان ذلك على حساب الاستدامة البيئية طويلة الأمد.
لغة الأرقام: إحصائيات ترسم ملامح الاقتصاد العالمي في 2026
بلغة الأرقام، قدم صندوق النقد الدولي، تزامناً مع انطلاق المنتدى، تحديثاً لتوقعاته الاقتصادية العالمية. تشير البيانات إلى نمو متوقع بنسبة 3.3% للاقتصاد العالمي في عام 2026، وهي نسبة تعكس “صموداً هشاً”. ورغم أن هذا الرقم يبدو إيجابياً مقارنة بسنوات الركود السابقة، إلا أن التفاصيل تكشف عن تفاوت كبير. النمو في الولايات المتحدة مدفوع بشكل أساسي بالإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، والذي يقدر بتريليونات الدولارات، بينما تعاني مناطق أخرى من تباطؤ ملحوظ بسبب أعباء الديون وتكاليف الطاقة.
وفيما يتعلق بالتضخم، تشير التوقعات إلى انخفاض المعدل العالمي إلى حوالي 3.8% في 2026، نزولاً من 4.1% في العام السابق. ومع ذلك، حذر الاقتصاديون في دافوس من أن “الميل الأخير” في معركة التضخم سيكون الأصعب، خاصة مع استمرار ضغوط الأجور في قطاع الخدمات وتقلبات أسعار السلع الأساسية نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية. تكلفة الديون السيادية لا تزال مرتفعة، مما يحد من قدرة الدول النامية على الاستثمار في البنية التحتية والتعليم، ويعمق الفجوة بين الشمال والجنوب.
على صعيد المشاركة في المنتدى، سجل دافوس 2026 أرقاماً قياسية تعكس أهميته. يشارك أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة، و850 رئيساً تنفيذياً لأكبر الشركات العالمية. التقديرات تشير إلى أن الشركات الممثلة في المنتدى تبلغ قيمتها السوقية مجتمعة عشرات التريليونات من الدولارات. ومن الأرقام المثيرة للقلق التي تم تداولها، تلك المتعلقة بـ”فجوة المهارات”، حيث تشير التقارير إلى أن 40% من القوى العاملة العالمية ستحتاج إلى إعادة تأهيل جذري خلال السنوات الثلاث المقبلة لمواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي، وهي مهمة تتطلب استثمارات ضخمة لم تلتزم بها الحكومات والشركات بشكل كافٍ بعد.
توقعات المستقبل: هل ينجح “دافوس” في ردم الهوة المتسعة؟
بينما يوشك المنتدى على اختتام أعماله، تبقى التوقعات مشوبة بالحذر. السؤال الأبرز الذي يطرحه المحللون هو: هل يمكن لهذا التجمع النخبوي أن ينتج حلولاً ملموسة لمشاكل العالم الحقيقية؟ يرى المتفائلون أن مجرد جمع الخصوم والمنافسين تحت سقف واحد في “روح من الحوار” يعد إنجازاً في حد ذاته، وقد يمهد الطريق لتهدئة بعض التوترات التجارية والسياسية. التركيز على “الدبلوماسية الواقعية” بعيداً عن الشعارات قد يكون المفتاح لتجاوز عام 2026 بأقل الأضرار الممكنة.
من ناحية أخرى، يحذر المتشائمون من أن الفجوة بين ما يُقال في دافوس وما يحدث على أرض الواقع تتسع باستمرار. “قلق الذكاء الاصطناعي” ليس مجرد مصطلح تقني، بل هو انعكاس لخوف حقيقي من فقدان السيطرة البشرية على المستقبل. التوقعات تشير إلى أن عام 2026 قد يشهد أولى الأزمات الكبرى الناجمة عن التزييف العميق أو الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يفرض واقعاً جديداً يجبر الحكومات على اتخاذ إجراءات حمائية صارمة قد تخنق الابتكار.
ختاماً، يبدو أن دافوس 2026 لن يكون نقطة النهاية للأزمات العالمية، بل محطة لاستيعاب الواقع الجديد. العالم ينتقل من مرحلة “الأزمة” إلى مرحلة “التكيف مع الاضطراب المستمر”. نجاح المنتدى لن يقاس بالبيانات الختامية، بل بمدى قدرة القادة على العودة إلى بلدانهم وتنفيذ سياسات توازن بين الطموح التكنولوجي والاستقرار الاجتماعي، في عام يوصف بأنه “عام الحقيقة” للنظام العالمي الجديد.