دافوس (سويسرا) – رويترز: في خطاب وصفه مراقبون دوليون بالأكثر شمولاً منذ سنوات، طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس رؤية مصرية متكاملة لعام 2026، رابطاً بين استدامة السلام الإقليمي والنمو الاقتصادي العالمي. وركز الرئيس في كلمته، التي جاءت وسط حضور دولي كثيف لقادة العالم ورؤساء الشركات الكبرى، على مرحلة “ما بعد الأزمة”، مستعرضاً خطط القاهرة الطموحة لقيادة جهود إعادة الإعمار في قطاع غزة، بالتوازي مع تحقيق طفرة في مؤشرات الاقتصاد الكلي المصري مدعومة بتدفقات استثمارية غير مسبوقة في قطاعات الطاقة والهيدروجين الأخضر.
تفاصيل الرؤية المصرية: السلام كركيزة للتنمية المستدامة
استهل الرئيس السيسي كلمته بتسليط الضوء على النجاح الدبلوماسي الذي توج بقمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، والتي أرست دعائم وقف إطلاق النار الدائم في غزة. وأكد الرئيس أن “المرحلة الثانية” من الاتفاق، التي بدأت مطلع هذا العام، تتطلب تكاتفاً دولياً يتجاوز المساعدات الإغاثية إلى ضخ استثمارات حقيقية في البنية التحتية الفلسطينية. وأشار إلى أن الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط ليس خياراً رفاهياً، بل هو “الضمانة الوحيدة” لتأمين سلاسل الإمداد العالمية وممرات الطاقة التي تأثرت بشدة خلال العامين الماضيين.
وفي سياق متصل، كشف الرئيس عن مبادرة مصرية جديدة تحت شعار “تحالف البناء”، تهدف إلى دمج شركات المقاولات المصرية والخبرات الدولية في ائتلاف موحد لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. وشدد السيسي في حديثه الموجه لقادة المال والأعمال في دافوس على أن هذه المشروعات ليست مجرد أعمال خيرية، بل فرص استثمارية واعدة ستعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة، مؤكداً أن مصر بمركزها اللوجستي المتطور جاهزة لتكون القاعدة الخلفية لهذه العمليات الكبرى.
وعلى الصعيد السياسي، عقد الرئيس السيسي سلسلة من اللقاءات المغلقة على هامش المنتدى، أبرزها مع بورجي برينده، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتركزت المباحثات حول تثبيت الهدنة الهشة وضمان عدم انزلاق المنطقة مجدداً في دوامة العنف، حيث حذر السيسي من أن أي تأخير في الحل السياسي القائم على الدولتين سيعصف بمكتسبات الاستقرار الاقتصادي التي بدأت شعوب المنطقة تلمسها مؤخراً.
الخلفية الاقتصادية: تجاوز صدمة البحر الأحمر واستعادة الثقة
تأتي كلمة الرئيس السيسي في وقت يظهر فيه الاقتصاد المصري مرونة ملحوظة بعد عامين من التحديات الجسام. فقد أشار التقرير المرفق بكلمة الرئاسة المصرية إلى أن التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر كبدت قناة السويس خسائر مباشرة تجاوزت 9 مليارات دولار منذ أواخر 2023 وحتى منتصف 2025. ومع ذلك، أوضح الرئيس أن الدولة المصرية لم تقف مكتوفة الأيدي، بل سارعت لتبني سياسات مالية مرنة عززت من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
وأشاد الرئيس ببرنامج الإصلاح الهيكلي الذي نفذته الحكومة المصرية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، والذي أدى إلى القضاء نهائياً على السوق الموازية للعملة واستقرار سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار. وأكد أن هذا الاستقرار كان العامل الحاسم في عودة رؤوس الأموال الساخنة والاستثمارات المباشرة، خاصة بعد إتمام صفقة “رأس الحكمة” وتوابعها من مشروعات ساحلية حولت الساحل الشمالي المصري إلى وجهة سياحية عالمية تعمل على مدار العام.
كما تطرق الخطاب إلى البنية التحتية الهائلة التي شيدتها مصر خلال العقد الماضي، واصفاً إياها بـ “طوق النجاة” الذي سمح للدولة بالصمود. وأوضح أن شبكة الموانئ الحديثة والقطار الكهربائي السريع لم تكن مجرد مشروعات نقل، بل شرايين حياة مكنت مصر من التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الترانزيت، مما عوض جزئياً تراجع عوائد القناة في فترات الأزمة.
لغة الأرقام: مؤشرات تعكس التعافي والانطلاق
بلغة الأرقام، قدم الرئيس السيسي إحصاءات تدعو للتفاؤل الحذر ولكنها تعكس مساراً تصاعدياً واضحاً. حيث توقع الرئيس أن يسجل الاقتصاد المصري معدل نمو يتراوح بين 4.7% و5.4% خلال العام المالي 2025/2026، متجاوزاً بذلك تقديرات المؤسسات الدولية السابقة. وأرجع هذا النمو إلى الطفرة في قطاعات الزراعة التصديرية والصناعات التحويلية، بالإضافة إلى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الذي بات يساهم بنسبة مضاعفة في الناتج المحلي الإجمالي.
وفيما يخص التضخم، أشار الرئيس إلى نجاح البنك المركزي المصري في كبح جماح الأسعار، حيث تظهر البيانات الرسمية تراجع معدلات التضخم إلى مستويات 11.9%، مع توقعات بالوصول إلى أرقام أحادية بحلول نهاية 2026. وأكد أن هذا التحسن انعكس إيجابياً على القدرة الشرائية للمواطن المصري وبدأ في تحفيز الطلب المحلي، الذي يعتبر محركاً رئيسياً للنمو في دولة يتجاوز عدد سكانها 115 مليون نسمة.
أما الرقم الأهم الذي استحوذ على اهتمام المستثمرين في دافوس، فكان المتعلق بقطاع الطاقة الخضراء. فقد أعلن السيسي أن مصر وقعت اتفاقيات إطارية لتنفيذ مشروعات هيدروجين أخضر باستثمارات تتجاوز 40 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، مؤكداً أن مصر تستهدف الاستحواذ على 8% من سوق الهيدروجين العالمي بحلول عام 2030، مستفيدة من موقعها الجغرافي ووفرة مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
التوقعات المستقبلية: مصر كلاعب محوري في النظام العالمي الجديد
اختتم الرئيس كلمته برسم ملامح المستقبل، حيث تسعى مصر لتعزيز دورها كعضو فاعل في تكتل “بريكس”، مستفيدة من التوجه العالمي نحو تنويع سلات العملات والتبادل التجاري. وتوقع محللون اقتصاديون حضروا الجلسة أن تشهد الفترة المقبلة تعميقاً للشراكات الاقتصادية بين مصر ودول التكتل، خاصة في مجالات التصنيع الغذائي وتوطين الصناعات الثقيلة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما أشار السيسي إلى أن مصر بصدد إطلاق استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تهدف إلى رقمنة كافة الخدمات الحكومية والمالية بحلول عام 2027. وأكد أن هذه الخطوة ستعزز من الشفافية وتقضي على البيروقراطية، مما سيجعل بيئة الأعمال في مصر أكثر جاذبية للشركات الناشئة ورواد الأعمال من مختلف أنحاء العالم.
وفي رسالة طمأنة أخيرة، أكد الرئيس أن الدولة المصرية مستمرة في تخارجها من بعض القطاعات الاقتصادية لصالح القطاع الخاص، تنفيذاً لوثيقة سياسة ملكية الدولة. وأوضح أن الحكومة تستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات المنفذة إلى 65%، مشدداً على أن مصر تفتح ذراعيها لكل مستثمر جاد يبحث عن فرص حقيقية في سوق ضخم وواعد ويمتلك كل مقومات النجاح.