واشنطن تدشن “مجلس السلام” برئاسة ترامب: نظام عالمي بديل أم خطوة لإنهاء صراع الشرق الأوسط؟

واشنطن تدشن “مجلس السلام” برئاسة ترامب: نظام عالمي بديل أم خطوة لإنهاء صراع الشرق الأوسط؟

دافوس/واشنطن (رويترز) – في خطوة قد تعيد تشكيل النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً عن تدشين “مجلس السلام” (Board of Peace) كهيئة دولية عليا بصلاحيات تنفيذية واسعة، تهدف في مقامها الأول للإشراف على استدامة الهدنة في غزة وإعادة إعمار القطاع، قبل أن تتسع مهامها لتشمل فض النزاعات العالمية. الإعلان الذي جاء على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، قوبل بترحيب حار من حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وتوجس مكتوم في العواصم الأوروبية، وسط تساؤلات حول مستقبل الأمم المتحدة في ظل هذا الكيان الجديد.

تفاصيل الهيكلية: صلاحيات تنفيذية و”عضوية المليار دولار”

كشفت مسودة الميثاق التأسيسي التي اطلعت عليها رويترز، أن “مجلس السلام” لن يكون مجرد منتدى للتشاور، بل هيئة بصلاحيات تنفيذية تفوق في بعض جوانبها مجلس الأمن الدولي. وينص الميثاق على تولي دونالد ترامب منصب “الرئيس المؤسس” مدى الحياة، مع منحه حق النقض (الفيتو) المنفرد على أي قرار، وهي سابقة في المنظمات الدولية. وسيدير المجلس هيئة تنفيذية مصغرة تضم شخصيات مقربة من البيت الأبيض، من بينهم جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، للإشراف المباشر على العمليات الميدانية.

النقطة الأكثر إثارة للجدل في الهيكلية الجديدة هي آلية العضوية الدائمة. فبينما تُمنح المقاعد الدورية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، يفتح الميثاق الباب أمام أي دولة للحصول على “عضوية دائمة” فورية شريطة مساهمة مالية مباشرة في صندوق المجلس لا تقل عن مليار دولار أمريكي. وقد برر مسؤولو البيت الأبيض هذا البند بأنه ضروري لضمان “الجدية والاستقلال المالي” للمجلس عن البيروقراطية الدولية التقليدية، مؤكدين أن هذه الأموال ستوجه مباشرة لمشاريع إعادة الإعمار والاستثمار في مناطق النزاع.

وعلى الصعيد الميداني، سيتولى المجلس فوراً مسؤولية إدارة “المرحلة الانتقالية” في قطاع غزة، متجاوزاً وكالات الأمم المتحدة التقليدية. ويشمل ذلك الإشراف على المعابر، وتوزيع المساعدات، وإدارة عقود إعادة الإعمار مع الشركات الدولية. وقد أكدت مصادر دبلوماسية أن المجلس سيعتمد على قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات، لكنها ستعمل تحت راية “مجلس السلام” وليس القبعات الزرقاء الأممية، مما يمثل تحولاً جذرياً في مفاهيم السيادة والتدخل الدولي.

الخلفية السياسية: من “اتفاقيات إبراهيم” إلى بديل الأمم المتحدة

لا يمكن فصل تأسيس هذا المجلس عن السياق الأوسع لرؤية ترامب للسياسة الخارجية، والتي بدأت بـ “اتفاقيات إبراهيم” في ولايته الأولى. فبعد عودته للبيت الأبيض، وتزامناً مع تعثر الآليات الأممية في وقف حرب غزة طوال عامي 2024 و2025، طرح ترامب فكرة “مجلس السلام” كبديل عملي وسريع. ويستند المجلس إلى شرعية مستمدة من تحالف الراغبين، وليس الإجماع الدولي، مستغلاً قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي صدر في أواخر 2025 ومنح تفويضاً غامضاً لهيئة دولية للإشراف على غزة، وهو التفويض الذي استخدمه ترامب كغطاء قانوني لإطلاق مجلسه الخاص.

ويمثل هذا التحرك ذروة الانتقادات الأمريكية للمنظمات الدولية؛ حيث يرى الرئيس الأمريكي أن الأمم المتحدة أصبحت “نادياً للكلام” غير قادر على فرض الحلول. وقد مهدت واشنطن لهذا الإعلان عبر سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية المكثفة في الأشهر الماضية، استطاعت خلالها إقناع قوى إقليمية وازنة مثل مصر، الإمارات، السعودية، وتركيا بالانضمام كأعضاء مؤسسين، مقدمةً ضمانات أمنية واقتصادية وتعهداً بإنهاء ملف غزة بشكل نهائي بعيداً عن الفيتو الروسي أو الصيني المعتاد في نيويورك.

تاريخياً، يُعد هذا أول تحدٍ مؤسسي حقيقي لهيمنة الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945. فالمجلس لا يطرح نفسه كمكمل لجهود الأمم المتحدة، بل كبديل أكثر كفاءة ومرونة، يعتمد على صفقات ثنائية وجماعية تخلط بين السياسة والاقتصاد. ويأتي التوقيت حرجاً، حيث يتزامن مع اليوم الـ 102 للهدنة الهشة في غزة، مما يجعل قبول الأطراف المتنازعة لهذا الكيان الجديد بمثابة طوق نجاة وحيد لمنع تجدد القتال.

لغة الأرقام: استثمارات ضخمة وتكلفة العضوية

بلغة المال والأعمال التي يفضلها الرئيس الأمريكي، يستهدف “مجلس السلام” جمع رأس مال تأسيسي يتجاوز 100 مليار دولار خلال عامه الأول. وتشير التقديرات الأولية إلى أن إعادة إعمار قطاع غزة وتحويله إلى منطقة اقتصادية -كما وعد ترامب- ستستحوذ على ما يقرب من 40% من هذه الميزانية. وقد أعلنت دول خليجية بالفعل عن نيتها ضخ استثمارات ضخمة تحت مظلة المجلس، في حين تترقب شركات المقاولات العالمية الكبرى طرح العقود الأولى التي يُتوقع أن تكون بالمليارات.

على صعيد العضوية، تشير التسريبات إلى أن المجلس قد ضمن حتى الآن انضمام ما بين 20 إلى 25 دولة، من بينها قوى نووية واقتصادية صاعدة. وإذا ما قامت 10 دول فقط بتفعيل خيار “عضوية المليار دولار”، فإن المجلس سيبدأ عمله بسيولة نقدية فورية تمنحه قدرة هائلة على التحرك السريع في مناطق الأزمات دون انتظار بيروقراطية المانحين التقليدية. في المقابل، يواجه المجلس تحدياً في تمويل عملياته الأمنية، حيث تُقدر تكلفة نشر قوات حفظ السلام التابعة له بحوالي 3 مليارات دولار سنوياً.

اقتصادياً أيضاً، يلوح المجلس بورقة العقوبات والحوافز؛ فالدول المنضمة ستتمتع بأولوية في الاتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة، بينما قد تواجه الدول المعرقلة لعمله عزلة اقتصادية غير معلنة. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن استقرار منطقة الشرق الأوسط عبر هذه المبادرة قد يضيف 1.5% إلى النمو الإجمالي للمنطقة، لكن بشرط نجاح المجلس في تحويل التهدئة العسكرية إلى شراكات اقتصادية مستدامة تربط الموانئ وخطوط الطاقة بين آسيا وأوروبا عبر إسرائيل والدول العربية.

التوقعات والسيناريوهات: هل يصمد السلام الترامبي؟

رغم الزخم الإعلامي الكبير، يواجه “مجلس السلام” حقول ألغام سياسية حقيقية. التحدي الأبرز يكمن في استدامة التهدئة في غزة؛ فبينما قبلت السلطة الفلسطينية وإسرائيل بالتعامل مع المجلس كأمر واقع، لا تزال فصائل المقاومة تنظر بريبة إلى أهدافه طويلة المدى، خاصة مع غياب أفق سياسي واضح للدولة الفلسطينية في الميثاق التأسيسي. ويرى محللون أن أي انهيار للهدنة سيُحسب فشلاً شخصياً لترامب ومجلسه الوليد، مما قد يدفع واشنطن لردود فعل عسكرية عنيفة قد تشعل المنطقة بدلاً من تهدئتها.

على المستوى الدولي، من المتوقع أن تقود دول مثل الصين وروسيا، وربما بعض القوى الأوروبية التقليدية كفرنسا، حملة دبلوماسية مضادة داخل أروقة الأمم المتحدة لنزع الشرعية القانونية عن قرارات هذا المجلس. السيناريو المتوقع هو حالة من “الازدواجية الدولية”، حيث تدار صراعات الشرق الأوسط عبر “مجلس ترامب”، بينما تدار صراعات أخرى عبر مجلس الأمن، مما يهدد بتفتيت النظام القانوني الدولي. ومع ذلك، فإن نجاح المجلس في ملف غزة قد يغري دولاً أخرى تعاني من نزاعات مزمنة (مثل أوكرانيا أو السودان) لطلب تدخل المجلس، بحثاً عن حلول سريعة.

أخيراً، يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة المجلس على التحول من “شركة أمنية واستثمارية كبرى” إلى راعٍ حقيقي للسلام. فالسلام القائم على الصفقات الاقتصادية والترتيبات الأمنية دون معالجة الجذور السياسية للصراع قد يكون هشاً وسريع الزوال. ومع دخولنا العام 2026، تتجه الأنظار إلى التطبيق العملي على الأرض: هل سنرى رافعات البناء تعلو في غزة تحت حماية قوات المجلس، أم سنشهد صداماً جديداً بين الإرادة الأمريكية والواقع الإقليمي المعقد؟

إقرأ أيضاً من موقعنا: