(القاهرة – رويترز)
في ليلة كروية حبست الأنفاس وعكست تناقضات كرة القدم الحديثة، أسدل الستار على مواجهة منتخب مصر ونظيره البوتسواني بتعادل إيجابي (1-1) في مباراة حملت طابعاً تكتيكياً معقداً على أرضية ستاد الدفاع الجوي. ورغم الفوارق الفنية الهائلة والتاريخ العريض للفراعنة، نجح “الحمر الوحشية” في انتزاع النقطة الذهبية التي ضمنت لهم مقعداً تاريخياً في نهائيات أمم أفريقيا، في لقاء شهد سيطرة مصرية مطلقة بلغت حد الاستحواذ شبه الكامل، مقابل استماتة دفاعية نادرة من الضيوف، مما فتح باب النقاش واسعاً حول فاعلية الهجوم المصري أمام التكتلات الدفاعية الصارمة، وهو الملف الذي بات الشغل الشاغل للجهاز الفني بقيادة حسام حسن.
تفاصيل الملحمة التكتيكية: بين الهجوم الكاسح والدفاع المستميت
بدأت المباراة بسيناريو لم يتوقعه أشد المتشائمين من الجانب المصري، حيث باغت المنتخب البوتسواني أصحاب الأرض بهدف مبكر في الدقيقة الثامنة عن طريق المهاجم أوماتلا كيباثو. جاء الهدف نتيجة هفوة دفاعية نادرة وسوء تمركز في عمق الدفاع المصري، استغله الضيوف ببراعة، مما وضع الفراعنة تحت ضغط نفسي مبكر. هذا الهدف لم يكن مجرد رقم في النتيجة، بل كان بمثابة إعلان صريح عن نية بوتسوانا في القتال بشراسة، حيث تراجع الفريق بكامل خطوطه فور التسجيل، مشكلاً حائط صد بشري أمام منطقة جزائه.
لم يتأخر الرد المصري طويلاً، حيث أدرك الجناح المتألق محمود حسن “تريزيجيه” التعادل في الدقيقة 15 بمهارة فردية رائعة وتسديدة أرضية زاحفة سكنت الزاوية اليسرى للحارس البوتسواني. ظن الجميع أن هذا الهدف سيكون بداية لطوفان من الأهداف، إلا أن ما حدث كان العكس تماماً. تحولت المباراة إلى حصة تدريبية من طرف واحد، حيث حاصر المنتخب المصري ضيفه في الثلث الأخير من الملعب، وتنوعت المحاولات بين الاختراق من العمق عن طريق ناصر ماهر ومروان عطية، وبين الكرات العرضية التي تكفل بها الظهيران، لكن التسرع تارةً وتألق الحارس غويتسيوني فوكو تارةً أخرى حالا دون إضافة الهدف الثاني.
شهد الشوط الثاني قمة الإثارة التكتيكية، حيث أجرى حسام حسن تغييرات هجومية مكثفة بإشراك إبراهيم عادل وأسامة فيصل لزيادة الكثافة العددية داخل الصندوق. في المقابل، لجأ المدرب البوتسواني إلى تكتيك “ركن الحافلة” بحرفية عالية، معتمداً على تشتيت الكرات وإهدار الوقت بشكل قانوني. ورغم المحاولات المستمرة، بما في ذلك تسديدات عمر مرموش الخطيرة، إلا أن الشباك البوتسوانية ظلت عصية، لتنتهي المباراة بنتيجة هي بمثابة الفوز للضيوف، وبمثابة درس فني قاسٍ للفراعنة حول كيفية فك شفرات الدفاعات المتكتلة.
خلفية الصراع: حسابات التأهل وضغوط التصنيف الدولي
دخل المنتخب المصري اللقاء وهو في وضعية مريحة للغاية، حيث كان قد حسم تأهله رسمياً وتصدر مجموعته مبكراً برصيد وافر من النقاط، مما دفع الجهاز الفني لإراحة بعض العناصر الأساسية مثل محمد صلاح ومحمد الشناوي (بسبب الإيقاف أو الراحة). ومع ذلك، كانت المباراة تحمل أهمية خاصة للحفاظ على سلسلة اللاهزيمة تحت قيادة حسام حسن، ولتحسين التصنيف الدولي للفيفا قبل قرعة التصفيات المؤهلة لكأس العالم، مما جعل التعادل يبدو بطعم الخسارة للجماهير المصرية التي كانت تمني النفس بعلامة كاملة.
على الجانب الآخر، كانت المباراة بمثابة “نكون أو لا نكون” لمنتخب بوتسوانا. دخل الفريق الضيف اللقاء وعينه على نقطة واحدة فقط تكفيه لمرافقة مصر إلى النهائيات، مستفيداً من تعثر منافسه المباشر موريتانيا. هذا الوضع المعقد جعل الحافز لدى لاعبي بوتسوانا أضعاف نظيره لدى المصريين، وهو ما ظهر جلياً في الروح القتالية والالتحامات البدنية القوية التي ميزت أداءهم طوال التسعين دقيقة، حيث لعبوا بروح الفريق الواحد من أجل كتابة تاريخ جديد لبلادهم.
تاريخياً، كانت المواجهات بين الطرفين تصب دائماً في مصلحة الفراعنة بنتائج عريضة، مما جعل التعادل يمثل مفاجأة من العيار الثقيل. هذا التعادل لم يكسر فقط سلسلة الانتصارات المتتالية لمصر في التصفيات، بل أعطى مؤشراً مقلقاً حول قدرة المنتخب على التعامل مع الفرق التي تلعب بتكتل دفاعي مبالغ فيه، وهو السيناريو المتوقع أن يتكرر في الأدوار الإقصائية للبطولات الكبرى، مما يجعل مراجعة شريط هذه المباراة ضرورة قصوى للجهاز الفني.
لغة الأرقام: هيمنة مطلقة وعقم تهديفي محير
تعكس إحصائيات المباراة حالة نادرة من الهيمنة السلبية، حيث بلغت نسبة استحواذ المنتخب المصري على الكرة 82% مقابل 18% فقط لبوتسوانا. هذا الرقم الفلكي للاستحواذ لم يترجم إلى أهداف، وهو ما يطرح تساؤلات حول الفاعلية الهجومية. قام الفراعنة بتمرير الكرة أكثر من 730 مرة بنسبة دقة تجاوزت 89%، بينما لم يكمل لاعبو بوتسوانا سوى 150 تمريرة طوال المباراة، ومع ذلك خرجوا بالنتيجة التي أرادوها.
على صعيد المحاولات الهجومية، سدد لاعبو منتخب مصر 29 تسديدة، منها 7 فقط بين القائمين والعارضة، وهو معدل تحويل منخفض جداً مقارنة بحجم الفرص المتاحة. في المقابل، وصل منتخب بوتسوانا لمرمى مصطفى شوبير 4 مرات فقط، سجلوا منها هدفاً، مما يعكس واقعية شديدة وتركيزاً عالياً في استغلال أنصاف الفرص. كما حصلت مصر على 14 ركلة ركنية مقابل ركنية وحيدة للضيوف، مما يوضح حجم الضغط المتواصل الذي مارسه الهجوم المصري دون جدوى.
الأرقام الفردية أظهرت تفوقاً كبيراً لمروان عطية في استرجاع الكرة وتوزيع اللعب، بينما كان عمر مرموش الأكثر محاولة على المرمى. ومع ذلك، عاب الأداء المصري البطء في التحضير في الثلث الأخير، مما منح دفاع بوتسوانا الوقت الكافي لإعادة التمركز. تشير خرائط الحرارة (Heat Maps) إلى تركز اللعب المصري في منتصف ملعب الخصم بالكامل، لكن مع غياب الاختراقات المؤثرة من العمق، والاعتماد المفرط على الكرات العرضية التي تعامل معها طوال القامة في دفاع بوتسوانا بنجاح.
التوقعات ومستقبل الفراعنة: دروس مستفادة قبل المعترك القاري
يمثل هذا التعادل جرس إنذار مبكر للجهاز الفني لمنتخب مصر، خاصة فيما يتعلق بإيجاد حلول بديلة عند غياب الحلول الفردية لمحمد صلاح. التوقعات تشير إلى أن حسام حسن سيعكف على تطوير الجمل التكتيكية الخاصة بضرب التكتلات الدفاعية، وربما البحث عن مهاجمين بمواصفات مختلفة تجيد اللعب تحت الضغط وداخل الصندوق المزدحم. كما أن الأداء الدفاعي، رغم ندرة هجمات الخصم، يحتاج لمراجعة لضمان عدم تكرار الهفوات الساذجة التي قد تكلف الفريق الخروج من الأدوار الإقصائية في المستقبل.
بالنسبة لبوتسوانا، يعد هذا التأهل إنجازاً تاريخياً قد يغير خارطة الكرة في بلادهم. التوقعات تشير إلى أنهم سيدخلون البطولات القادمة بروح معنوية مرتفعة، مستفيدين من درس الصمود أمام عملاق القارة. قد لا يكونون مرشحين لللقب، لكنهم أثبتوا أنهم قادرون على إحراج الكبار، وسيكونون خصماً مزعجاً لأي فريق يستهين بقدراتهم التنظيمية والدفاعية.
في الختام، تبقى مباراة مصر وبوتسوانا درساً كروياً يؤكد أن الاستحواذ وحده لا يجلب الفوز، وأن الواقعية قد تتفوق أحياناً على المهارة. الشارع الرياضي المصري يترقب الآن ردة فعل المنتخب في الاستحقاقات القادمة، وهل سينجح “العميد” في معالجة العقم التهديفي أمام الفرق الدفاعية، أم ستظل هذه المعضلة كابوساً يطارد الفراعنة؟ الأيام والبطولات القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.