تحليل خاص: من “التحالف الاستراتيجي” إلى “كسر العظم”.. كيف تعيد أحداث اليمن الأخيرة رسم خريطة الصراع السعودي الإماراتي؟

تحليل خاص: من “التحالف الاستراتيجي” إلى “كسر العظم”.. كيف تعيد أحداث اليمن الأخيرة رسم خريطة الصراع السعودي الإماراتي؟

الرياض/دبي (رويترز)

لم تعد الدبلوماسية الهادئة تكفي لاحتواء ما بات يُعرف في الأروقة السياسية الخليجية بـ”الحرب الباردة” بين السعودية والإمارات، حيث انتقل التنافس من أروقة الاقتصاد وقاعات “أوبك بلس” إلى المواجهة شبه المباشرة على الأرض. فمع الضربات الجوية التي استهدفت شحنات أسلحة في المكلا اليمنية أواخر ديسمبر 2025، وانسحاب القوات الإماراتية اللاحق، دخلت العلاقة بين الحليفين السابقين منعطفاً تاريخياً حاداً، يعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ويضع وحدة مجلس التعاون الخليجي أمام أصعب اختباراتها منذ عقود.

التفاصيل: عندما تحولت “المنافسة” إلى مواجهة عسكرية بالوكالة

شكلت أحداث الأسابيع الأخيرة في جنوب اليمن نقطة اللاعودة في العلاقات بين الرياض وأبوظبي، متجاوزةً حدود التنافس الاقتصادي التقليدي. فبحسب مصادر مطلعة ومسؤولين يمنيين، اعتبرت السعودية تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً في محافظتي حضرموت والمهرة “تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي”، نظراً لمحاذاة هذه المناطق للحدود الجنوبية للمملكة. التدخل العسكري السعودي الحاسم، الذي تضمن استهدافاً مباشراً لشحنات عسكرية قيل إنها تابعة لوكلاء الإمارات، أرسل رسالة واضحة بأن الرياض لن تتسامح مع أي نفوذ منافس على حدودها، مما أجبر أبوظبي على اتخاذ قرار تكتيكي بتهدئة الموقف وسحب قواتها لتجنب صدام أوسع.

ولا يقتصر هذا التصعيد على الجغرافيا اليمنية، بل يمتد ليشمل “حرب الموانئ” والنفوذ في القرن الأفريقي. فالسعودية، التي تسعى لتأمين البحر الأحمر كشريان حيوي لمشاريعها العملاقة مثل “نيوم”، باتت تنظر بريبة إلى التوسع الإماراتي في موانئ الصومال والسودان. وتشير تقارير استخباراتية غربية إلى أن الرياض بدأت بالفعل في نسج تحالفات بديلة مع قوى إقليمية ودولية لتحجيم النفوذ الإماراتي المتصاعد، في خطوة تشير إلى أن سياسة “احتواء الحليف” قد استُبدلت بسياسة “المواجهة والمزاحمة” في كل ملف إقليمي ساخن، من الخرطوم إلى عدن.

على الصعيد الاقتصادي، انتقلت المعركة إلى قلب العواصم. فمع دخول مهلة “نقل المقرات الإقليمية” (Project HQ) حيز التنفيذ الصارم، وجدت الشركات العالمية نفسها عالقة في المنتصف بين جاذبية دبي كمركز مالي ولوجستي راسخ، وبين ضخامة السوق السعودي والإنفاق الحكومي الهائل الذي تشترطه الرياض. لم يعد الأمر مجرد حوافز ضريبية، بل تحول إلى قرارات سيادية تفرض على المستثمرين الاختيار بين المعسكرين، وهو ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد في مجتمع الأعمال الخليجي، حيث تسعى الرياض لسحب بساط “مركز الشرق الأوسط” من تحت أقدام دبي، مستخدمةً ثقلها المالي والسياسي كأداة ضغط لا هوادة فيها.

الخلفية: جذور التباعد.. من النفط إلى الجيوسياسة

لفهم هذا الانفجار الأخير، يجب العودة إلى الجذور المتراكمة للخلاف الذي بدأ يطفو على السطح بوضوح منذ يوليو 2021 داخل أروقة منظمة “أوبك”. حينها، اعترضت الإمارات علناً على تمديد اتفاق خفض الإنتاج دون تعديل خط الأساس الخاص بها، في خطوة نادرة تحدت القيادة السعودية التقليدية لسوق النفط. هذا الخلاف التقني كان مجرد قمة جبل الجليد؛ فبينما ترى الرياض في استقرار أسعار النفط ضرورة لتمويل “رؤية 2030″، تسعى أبوظبي لزيادة إنتاجها واستثمار احتياطياتها الضخمة قبل تراجع الطلب العالمي على الوقود الأحفوري، مما خلق تباعداً بنيوياً في المصالح الاستراتيجية للطاقة بين البلدين.

جيوسياسياً، اتسعت الهوة بشكل دراماتيكي في ملفي السودان والتطبيع. ففي السودان، وجد البلدان نفسيهما يدعمان طرفي نقيض في الصراع الدامي، حيث مالت الكفة السعودية لدعم المؤسسة العسكرية ومحاولات التهدئة عبر “منبر جدة”، بينما وجهت اتهامات دولية وأممية للإمارات بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أبوظبي مراراً. هذا التعارض في المصالح حول دولة تطل على البحر الأحمر زاد من قناعة الرياض بأن الأجندة الإماراتية لم تعد تتطابق مع مصالح الأمن القومي السعودي، بل باتت تشكل تحدياً لها.

علاوة على ذلك، تباينت المسارات الدبلوماسية تجاه القوى الإقليمية والدولية. فبينما سارعت الإمارات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل عبر “الاتفاقيات الإبراهيمية”، تمسكت السعودية بمبادرة السلام العربية وشروطها الخاصة للتطبيع، مما خلق مسارين دبلوماسيين متوازيين في المنطقة. كما أن المصالحة السعودية الإيرانية برعاية صينية جاءت لتعيد ترتيب الأولويات الأمنية للمملكة، في وقت كانت فيه الإمارات تبني ترتيبات أمنية واقتصادية مختلفة، مما عزز الشعور بأن كل عاصمة باتت تغرد في سرب منفصل، تاركةً خلفها إرثاً من التنسيق المشترك الذي ميز حقبة ما قبل 2019.

لغة الأرقام: اقتصادان يتسابقان نحو القمة

تتحدث المؤشرات الاقتصادية لعامي 2025 و2026 عن شراسة المنافسة. فوفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي وتقارير وكالة “موديز”، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد السعودي نمواً بنسبة 4.7% في 2025 مدفوعاً بالمشاريع غير النفطية العملاقة، بينما تحافظ الإمارات على وتيرة نمو قوية تلامس 5% بفضل قطاعاتها المتنوعة من السياحة إلى التكنولوجيا المالية. هذه الأرقام المتقاربة تعكس سباقاً محموماً؛ فالسعودية تضخ تريليونات الدولارات لتنويع اقتصادها وخلق قطاعات جديدة بالكامل (سياحة، ترفيه، تصنيع)، وهي قطاعات كانت تقليدياً ملعباً إماراتياً بامتياز.

في قطاع الطيران والسياحة، تظهر الأرقام حجم التحدي. فمع إطلاق “طيران الرياض” واستعدادها لدخول الخدمة التجارية الكاملة، تستهدف المملكة نقل 330 مليون مسافر سنوياً بحلول 2030، وهو هدف يضعها في مواجهة مباشرة مع عمالقة الطيران في دبي وأبوظبي. وفي حين حققت الإمارات تدفقات استثمار أجنبي مباشر قياسية تجاوزت 30 مليار دولار في 2023، تسعى السعودية لمضاعفة أرقامها ثلاث مرات للوصول إلى 100 مليار دولار سنوياً بحلول نهاية العقد، معتمدة على فرض شروط تعاقدية صارمة تجبر الشركات على التوطين والاستثمار المحلي.

أما في قطاع الطاقة، فلا تزال لغة الأرقام هي الحكم. الإمارات، التي استثمرت المليارات لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، تجد نفسها مقيدة بحصص “أوبك” التي تديرها السعودية بحذر شديد. هذا التباين في القدرات والطموحات يجعل من أي اجتماع قادم لـ”أوبك بلس” لغماً موقوتاً؛ فالرياض تحتاج لسعر برميل مرتفع (فوق 80 دولاراً) لضبط ميزانيتها وتمويل مشاريعها، بينما تفضل أبوظبي سياسة الكميات الأكبر ولو بأسعار أقل، لضمان تسييل ثروتها النفطية في أسرع وقت ممكن.

التوقعات: هل نحن أمام قطيعة أم “تنافس مُدار”؟

تشير استقراءات المحللين إلى أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي تتجه نحو نموذج “التنافس الشرس” بدلاً من القطيعة الكاملة. يرى الخبراء أن الترابط الاقتصادي والاجتماعي العميق بين البلدين، والمخاطر الأمنية المشتركة في منطقة مضطربة، قد تمنع الانزلاق نحو عداء مفتوح وشامل. ومع ذلك، فإن حقبة “التطابق التام” قد ولت إلى غير رجعة، وسيستمر البلدان في العمل وفق أجندات وطنية صرفة، حيث ترفع السعودية شعار “السعودية أولاً” كقائد إقليمي لا يُنازع، بينما تتمسك الإمارات بنموذجها كقوة عالمية مرنة ومتعددة التحالفات.

على مستوى مجلس التعاون الخليجي، من المتوقع أن يؤدي هذا الاستقطاب الثنائي إلى تكتلات فرعية أو سياسات حياد من قبل الدول الأعضاء الأخرى. سلطنة عمان وقطر والكويت قد يجدن أنفسهن في موقع “بيضة القبان” أو الوسطاء لتهدئة التوترات، خاصة مع تزايد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى إضعاف المنظومة الخليجية برمتها أمام التحديات الإقليمية. السيناريو الأرجح هو استمرار “المناوشات الباردة” في الملفات الخارجية والاقتصادية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من البروتوكولات الدبلوماسية والتعاون الأمني.

في المدى المنظور، ستبقى الأنظار موجهة نحو اليمن والسودان كمؤشرات حرارة لهذا الخلاف. إذا نجحت الوساطات في تثبيت التهدئة الحالية، فقد نشهد فترة من “السلام البارد”. ولكن، مع استمرار طموح الأمير محمد بن سلمان في تحويل المملكة إلى القوة المهيمنة اقتصادياً وسياسياً، وإصرار الشيخ محمد بن زايد على حماية مكتسبات الإمارات ونفوذها، فإن مسار التصادم يبدو وكأنه قدر محتوم تفرضه الجغرافيا والتاريخ وطموحات الزعامة في الخليج الجديد.

إقرأ أيضاً من موقعنا: