دافوس 2026: السيسي يطرح “رؤية السلام والتنمية” ويلتقي ترامب لبحث “المرحلة الثانية” في غزة

دافوس 2026: السيسي يطرح “رؤية السلام والتنمية” ويلتقي ترامب لبحث “المرحلة الثانية” في غزة

دافوس (سويسرا) – (رويترز)

في مشاركة وصفت بأنها “الأكثر استراتيجية” منذ سنوات، وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء إلى مدينة دافوس السويسرية للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026، حاملاً معه ملفاً مثقلاً بالتحديات الجيوسياسية والطموحات الاقتصادية. وتأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق للغاية، حيث يتصدر جدول الأعمال لقاء مرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو الأول من نوعه منذ إعلان واشنطن عن انطلاق “المرحلة الثانية” من خطة السلام في غزة. وقد استهل الرئيس المصري نشاطه بكلمة قوية في الجلسة الافتتاحية تحت شعار المنتدى لهذا العام “روح الحوار”، داعياً المجتمع الدولي إلى تحويل التعهدات المالية إلى مشاريع حقيقية على الأرض، ومحذراً من أن استمرار الاضطرابات الإقليمية سيعصف بجهود التعافي الاقتصادي العالمي.

تفاصيل الرؤية المصرية: الأمن ممر للتنمية

استحوذت القضية الفلسطينية ومسار إعادة الإعمار في قطاع غزة على الحيز الأكبر من خطاب الرئيس السيسي، حيث طرح مصر كركيزة أساسية للسلام الإقليمي ومركزاً لوجستياً لا غنى عنه في عمليات إعادة الإعمار. وأكد السيسي في كلمته أمام قادة العالم ورؤساء الشركات الكبرى أن “المرحلة الثانية” من ترتيبات غزة لا يجب أن تقتصر على الحلول الأمنية فحسب، بل يجب أن تتوازى مع “خارطة طريق اقتصادية” شاملة تضمن الحياة الكريمة للشعوب. وقد استخدم الرئيس مصطلح “خطة مارشال شرق أوسطية”، مشدداً على أن الاستقرار الأمني في البحر الأحمر وقناة السويس مرتبط عضوياً بحل الدولتين وإنهاء الصراع، وهو ما لاقى صدى واسعاً داخل أروقة المؤتمر، خاصة مع تأكيده على جاهزية الشركات المصرية للمساهمة الفورية في مشاريع البنية التحتية الإقليمية.

وعلى الصعيد الاقتصادي البحت، روج الرئيس المصري لما وصفه بـ “مصر الجديدة 2026″، مستعرضاً الحوافز الاستثمارية غير المسبوقة التي أقرتها الحكومة مؤخراً لجذب رؤوس الأموال الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. وأشار السيسي بوضوح إلى أن مصر نجحت في تجاوز “عنق الزجاجة” المالي الذي شهدته الأعوام السابقة، بفضل سياسات نقدية مرنة وإصلاحات هيكلية جذرية، داعياً المستثمرين في دافوس إلى النظر لمصر ليس كسوق استهلاكي ضخم فحسب، بل كمنصة تصديرية عالمية تربط بين قارات العالم الثلاث. وقد خصص جزءاً كبيراً من كلمته للحديث عن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، معلناً عن تدشين مناطق صناعية جديدة مخصصة بالكامل لصناعات الهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية بالتعاون مع شركاء من الصين وأوروبا.

وفي سياق اللقاء المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش المنتدى، كشفت مصادر دبلوماسية لـ “رويترز” أن المباحثات ستتطرق إلى تفاصيل دقيقة حول الترتيبات الأمنية والحدودية، بالإضافة إلى حزمة مساعدات اقتصادية أمريكية جديدة لدول الجوار المتضررة من الصراعات. ويسعى السيسي من خلال هذا اللقاء إلى تثبيت الدور المصري كشريك استراتيجي موثوق لواشنطن في المنطقة، مع التأكيد على الثوابت المصرية برفض التهجير والحفاظ على السيادة الوطنية. ومن المتوقع أن يشهد اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون في مجال الطاقة، خاصة مع رغبة شركات أمريكية كبرى في ضخ استثمارات في حقول الغاز بشرق المتوسط، وهو ما يتماشى مع طموح القاهرة للتحول لمركز إقليمي للطاقة.

خلفية الأحداث: من الأزمة إلى التعافي

تأتي مشاركة الرئيس السيسي في دافوس 2026 بعد عامين عاصفين شهدت فيهما المنطقة وتيرة أحداث متسارعة، بدءاً من الحرب في غزة وصولاً إلى التوترات في البحر الأحمر التي أثرت بشكل مباشر على إيرادات قناة السويس. وكانت مصر قد واجهت تحديات اقتصادية جمة خلال عامي 2023 و2024، تمثلت في شح العملة الصعبة وارتفاع معدلات التضخم، إلا أن الاتفاقيات الكبرى التي أبرمتها الدولة، وعلى رأسها صفقة “رأس الحكمة” وتوسيع برنامج صندوق النقد الدولي، ساهمت في استعادة الثقة الدولية في الاقتصاد المصري. ويحاول السيسي اليوم البناء على حالة “الاستقرار النسبي” التي تحققت، لتقديم مصر كنموذج للصمود الاقتصادي وسط إقليم مضطرب.

وتستند الرؤية المصرية الحالية إلى استراتيجية تنويع المصادر، حيث لم تعد القاهرة تعتمد فقط على الحلفاء التقليديين، بل وسعت شراكاتها لتشمل تكتل “بريكس” الذي انضمت إليه رسمياً، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي عبر اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة. هذا التحول في السياسة الخارجية والاقتصادية مهد الطريق أمام مصر لطرح نفسها في دافوس كبوابة إفريقيا والشرق الأوسط، خاصة في ملفات الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد. ويشير المراقبون إلى أن الحكومة المصرية نجحت خلال الفترة الماضية في تنفيذ التزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، مما أدى إلى تحسن التصنيف الائتماني للبلاد وعودة تدفقات “الأموال الساخنة” ولكن بضوابط أكثر صرامة لضمان استدامتها.

كما لا يمكن فصل الحضور المصري القوي في دافوس عن التطورات في ملف الطاقة المتجددة، حيث قطعت مصر شوطاً كبيراً في توطين صناعة الهيدروجين الأخضر. وكانت القاهرة قد أطلقت في أغسطس 2024 استراتيجيتها الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون، والتي بدأت تؤتي ثمارها الآن في 2026 بتوقيع عقود فعلية للتنفيذ وليس مجرد مذكرات تفاهم. وتعتبر الحكومة المصرية أن هذا الملف هو “قاطرة النمو” للسنوات القادمة، مستغلة الإمكانات الهائلة من طاقة الرياح والشمس، والموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية المتعطشة للطاقة النظيفة، وهو ما يمثل محوراً رئيسياً في المحادثات التي يجريها الوفد المصري مع كبرى الشركات الأوروبية في سويسرا.

لغة الأرقام: مؤشرات 2026 وطموحات 2030

دعمت الرئاسة المصرية خطابها في دافوس بحزمة من الأرقام والمؤشرات التي تعكس تحولاً إيجابياً في مسار الاقتصاد. وتشير التوقعات الرسمية التي تم استعراضها في المنتدى إلى استهداف معدل نمو للناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 4.5% إلى 5% بنهاية العام المالي الحالي، مدفوعاً بنمو قطاعات السياحة والاتصالات والصناعات التحويلية. كما أكدت البيانات انخفاض معدلات التضخم بشكل ملحوظ مقارنة بمستويات 2024 القياسية، مع استهداف النزول بها إلى ما دون 10% بحلول عام 2027، وهو ما يعتبره المحللون إنجازاً كبيراً للسياسة النقدية التي اتبعها البنك المركزي المصري.

وفي قطاع الطاقة، الذي يعد النجم الساطع في المشاركة المصرية، أعلن الوفد المصري عن تحديث مستهدفات الطاقة المتجددة لتصل إلى 42% من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، مع خطط طموحة لتجاوز هذه النسبة. وتم الكشف عن أن الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر تستهدف الاستحواذ على 5% إلى 8% من السوق العالمي القابل للتداول بحلول عام 2040، وهو ما يُتوقع أن يضيف حوالي 18 مليار دولار للناتج المحلي الإجمالي ويخلق أكثر من 100 ألف فرصة عمل جديدة. هذه الأرقام لم تكن مجرد وعود، بل تم تدعيمها بالإعلان عن دخول المرحلة الأولى من مشروع ضخم للهيدروجين الأخضر في منطقة السخنة حيز الإنتاج الفعلي، بشراكة نرويجية ومصرية.

أما على صعيد الديون، فقد قدم وزير المالية المصري عرضاً توضيحياً للمؤسسات المالية الدولية يظهر نجاح الحكومة في وضع الدين العام على مسار نزولي، مستهدفة الوصول بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لأقل من 80% خلال السنوات الثلاث المقبلة. وأشار العرض إلى أن مصر نجحت في تنويع أدوات الدين، من خلال إصدار سندات الباندا والساموراي والصكوك السيادية، مما خفف الضغط على العملة الصعبة. كما تم تسليط الضوء على ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية لمستويات آمنة تغطي أكثر من 8 أشهر من الواردات السلعية، مما يعطي رسالة طمأنة قوية للمستثمرين بشأن استقرار سعر الصرف وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

التوقعات والسيناريوهات المستقبلية

ينظر المحللون الاقتصاديون في دافوس إلى التحركات المصرية بتفاؤل حذر، مشيرين إلى أن نجاح مصر في تحقيق أهدافها مرهون باستمرار الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة. وتتوقع بنوك استثمار عالمية، مثل “جولدمان ساكس” و”مورجان ستانلي”، أن تشهد مصر تدفقات استثمارية أجنبية مباشرة (FDI) تتجاوز 15 مليار دولار خلال عام 2026، تتركز معظمها في قطاعات الطاقة والعقارات والسياحة. ويرى الخبراء أن اللقاء بين السيسي وترامب قد يسفر عن “انفراجة سياسية” تنعكس إيجابياً على مناخ الاستثمار، خاصة إذا نجحت الجهود في تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والبدء في مشاريع إعادة الإعمار التي ستكون الشركات المصرية المقاول الرئيسي فيها.

وفيما يخص قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يتوقع أن تبرم مصر خلال المنتدى اتفاقيات شراكة لنقل التكنولوجيا وتوطين صناعة مراكز البيانات، مستفيدة من مرور كابلات الإنترنت البحرية عبر أراضيها. وهناك توقعات قوية بأن تعلن الحكومة المصرية عن حوافز ضريبية جديدة للشركات الناشئة وريادة الأعمال، في محاولة لتحويل القاهرة إلى مركز إقليمي للابتكار الرقمي. هذه الخطوات تأتي استجابة للتغيرات العالمية في سوق العمل، وسعياً لدمج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة العالمية للخدمات الرقمية والتعهيد (Outsourcing).

ختاماً، تظل الأنظار معلقة على النتائج النهائية لزيارة الرئيس السيسي، وما ستسفر عنه من اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف. ويرى مراقبون أن نجاح مصر في دافوس 2026 لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات الموقعة، بل بمدى قدرتها على صياغة تحالفات سياسية واقتصادية جديدة تحمي مصالحها في ظل نظام عالمي يتشكل من جديد. إن الرسالة التي يحملها السيسي من دافوس واضحة: مصر عادت كلاعب لا غنى عنه، ليس فقط كحارس لبوابة الأمن الإقليمي، بل كشريك فاعل في صناعة مستقبل الاقتصاد الأخضر والمستدام في الشرق الأوسط وإفريقيا.

إقرأ أيضاً من موقعنا: