سعر الدولار اليوم في مصر: استقرار عند مستوى 47.50 جنيه وسط تفاؤل بتقرير صندوق النقد وزيادة الاحتياطي النقدي

سعر الدولار اليوم في مصر: استقرار عند مستوى 47.50 جنيه وسط تفاؤل بتقرير صندوق النقد وزيادة الاحتياطي النقدي

القاهرة – (رويترز)

استقر سعر الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري في تعاملات اليوم، الثلاثاء 20 يناير 2026، عند مستويات متقاربة في معظم البنوك العاملة في السوق المصرفية، ليحوم حول مستوى 47.50 جنيه للبيع، وسط حالة من التفاؤل الحذر التي تسود الأوساط الاقتصادية عقب صدور تقرير صندوق النقد الدولي الذي رفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري. ويعكس هذا الاستقرار النسبي نجاح السياسات النقدية التي انتهجها البنك المركزي المصري على مدار العامين الماضيين في كبح جماح السوق الموازية وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي، مما أدى إلى بناء احتياطيات قوية تجاوزت حاجز الـ 51 مليار دولار، وهو ما يمنح صانع القرار الاقتصادي مساحة أوسع للمناورة في مواجهة التحديات الإقليمية.

تفاصيل التداول اليومي: هدوء نسبي وتدفقات مستقرة

شهدت شاشات التداول في البنوك المصرية صباح اليوم الثلاثاء حركة هادئة للغاية، حيث سجلت العملة الخضراء تحركات طفيفة لا تتجاوز عدة قروش صعوداً أو هبوطاً مقارنة بإغلاق الأمس. ويأتي هذا الهدوء مدعوماً بتوافر السيولة الدولارية اللازمة لتلبية طلبات الاستيراد المعلقة، حيث أكدت مصادر مصرفية لـ “رويترز” أن البنوك تعمل بانتظام في تدبير العملة للعملاء، لا سيما للسلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج، مما قضى تماماً على أي مبرر لوجود سوق سوداء. وتشير البيانات إلى أن الفارق بين سعر البيع والشراء في البنوك قد تقلص بشكل ملحوظ، مما يعكس كفاءة آلية “الإنتربنك” الدولاري في ضبط إيقاع السوق دون تدخلات إدارية حادة.

وفي سياق متصل، لوحظ تراجع واضح في ظاهرة “الدولرة” التي كانت تؤرق الاقتصاد المصري في سنوات سابقة، حيث فضل قطاع واسع من المدخرين العودة إلى الجنيه المصري للاستفادة من أوعية ادخارية ذات عوائد حقيقية موجبة، خاصة مع تباطؤ معدلات التضخم بشكل ملموس خلال الربع الأخير من عام 2025. هذا التحول في سلوك المستثمرين الأفراد والشركات عزز من استقرار سعر الصرف وجعل الحركة اليومية للدولار تعبر بشكل حقيقي عن قوى العرض والطلب الطبيعية في السوق، بعيداً عن المضاربات الضارة.

وعلى صعيد التعاملات الإلكترونية والتحويلات، سجلت البنوك تدفقات قوية من تحويلات المصريين بالخارج، والتي تعد أحد أهم روافد العملة الصعبة لمصر. وبحسب مراقبين، فإن الثقة في النظام المصرفي وعودة السعر العادل للجنيه كانت العامل الحاسم في توجيه هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية، مما وفر مظلة حماية للجنيه ضد أي تقلبات مفاجئة في الأسواق العالمية، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المتباين على اقتصادات المنطقة.

الخلفية الاقتصادية: دفعة قوية من صندوق النقد والاحتياطي الأجنبي

يأتي استقرار سعر الدولار اليوم مدعوماً بخلفية اقتصادية إيجابية للغاية، حيث أصدر صندوق النقد الدولي أمس تقريراً رفع فيه توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 4.7% للسنة المالية الحالية، و5.4% لعام 2027، في إشارة واضحة لتعافي الاقتصاد من كبوته السابقة. هذا التقرير جاء بمثابة “شهادة ثقة” دولية، مؤكداً أن الإصلاحات الهيكلية التي نفذتها الحكومة المصرية، بما في ذلك مرونة سعر الصرف وترشيد الدعم، قد بدأت تؤتي ثمارها بشكل أسرع من المتوقع. وأشار الصندوق إلى أن قطاعات السياحة والصناعة تقود هذا النمو، معوضة التراجع المؤقت في إيرادات قناة السويس الذي حدث في فترات سابقة.

وفي تعزيز آخر للموقف المالي لمصر، أعلن البنك المركزي المصري مؤخراً عن ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستويات تاريخية بلغت نحو 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025. هذا الرقم لا يمثل مجرد غطاء نقدي للاستيراد لعدة أشهر فحسب، بل يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب بأن مصر تمتلك القدرة الكاملة على الوفاء بالتزاماتها الدولية وسداد أقساط الديون في مواعيدها دون الضغط على العملة المحلية. وتعتبر هذه الزيادة في الاحتياطي نتاجاً مباشراً لصفقات الاستثمار المباشر الضخمة (مثل صفقة رأس الحكمة وتوابعها) التي تم توقيعها وتنفيذها خلال العامين الماضيين.

إضافة إلى ذلك، تلعب السياسة المالية المتشددة التي تتبعها وزارة المالية دوراً مكملاً للسياسة النقدية، حيث نجحت الحكومة في تحقيق فائض أولي في الموازنة وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. هذا التنسيق بين السياسات المالية والنقدية خلق بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، مما قلل من الضغوط التضخمية وجعل الجنيه المصري أكثر جاذبية كعملة استثمارية، وهو ما يفسر عدم حدوث قفزات في سعر الدولار رغم التحديات العالمية المحيطة بأسعار الطاقة والغذاء.

لغة الأرقام: خريطة أسعار الصرف في البنوك المصرية اليوم

بلغة الأرقام، تظهر شاشات البنوك تقارباً شديداً في الأسعار، حيث سجل الدولار في البنك المركزي المصري متوسطاً سعرياً بلغ 47.43 جنيه للشراء و47.56 جنيه للبيع. ويعتبر هذا السعر هو المؤشر المرجعي للتعاملات الرسمية والحكومية. بينما في أكبر بنكين حكوميين، البنك الأهلي المصري وبنك مصر، سجل سعر الدولار 47.44 جنيه للشراء و47.54 جنيه للبيع، مما يعكس استقراراً عند نفس المستويات التي أغلق عليها الأسبوع الماضي تقريباً، مع تحرك طفيف بقرش أو قرشين.

أما في البنوك الخاصة، فقد سجل الدولار أسعاراً متقاربة جداً، حيث بلغ في البنك التجاري الدولي (CIB)، أكبر بنك قطاع خاص في مصر، نحو 47.44 جنيه للشراء و47.54 جنيه للبيع. وفي بنك الإسكندرية سجل الدولار 47.45 جنيه للشراء و47.55 جنيه للبيع. وفي مصرف أبوظبي الإسلامي، الذي غالباً ما يقدم أفضل سعر للشراء، سجل الدولار نحو 47.50 جنيه للشراء و47.60 جنيه للبيع، وهو فارق ضئيل جداً لا يؤثر على هيكل السوق العام ولكنه يعكس المنافسة الصحية بين البنوك لجذب السيولة.

وبالمقارنة مع العملات الأخرى، حافظ الجنيه المصري على تماسكه أيضاً، حيث استقر الريال السعودي عند مستوى 12.65 جنيه تقريباً، والدرهم الإماراتي عند 12.93 جنيه. هذا الثبات الشامل في سلة العملات يؤكد أن الاستقرار ليس وليد صدفة أو إجراء مؤقت يخص الدولار فقط، بل هو نتاج توازن كلي في ميزان المدفوعات المصري، مدعوماً بتدفقات نقدية حقيقية ومستدامة من قطاعات التصدير والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.

التوقعات المستقبلية: إلى أين يتجه الجنيه في 2026؟

تشير معظم التوقعات الصادرة عن مؤسسات التمويل الدولية وبنوك الاستثمار الكبرى إلى أن عام 2026 سيكون عام “الاستقرار والتعافي” للجنيه المصري. فقد عدل بنك “ستاندرد تشارترد” توقعاته مشيراً إلى أن الدولار قد يتحرك في نطاق ضيق ليصل إلى 49 جنيهاً بنهاية عام 2026، وهو تحرك يعتبره المحللون “صحياً” ومتوافقاً مع فروق التضخم بين مصر وشركائها التجاريين. ويرى الخبراء أن هذا التراجع الطفيف المتوقع للجنيه لن يكون دراماتيكياً كما حدث في 2024، بل سيكون تدريجياً ومحسوباً بما يدعم تنافسية الصادرات المصرية.

وفي سياق التضخم، تتوقع المؤسسات البحثية المحلية والدولية انحسار معدلات التضخم في مصر لتصل إلى خانة الآحاد (بين 7% و11%) بحلول النصف الثاني من 2026. هذا الانخفاض المتوقع سيعزز من القوة الشرائية للجنيه ويقلل من الضغط على البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة، بل قد يفتح الباب أمام دورة تيسير نقدي وخفض للفائدة، مما سيشجع الاستثمار المحلي ويقلل تكلفة الدين الحكومي. الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق، وصف عام 2026 بأنه “عام التفاؤل”، متوقعاً استمرار تحسن المؤشرات الكلية.

أخيراً، تبقى عيون المحللين معلقة على أداء قناة السويس وعودة الملاحة إلى طبيعتها في البحر الأحمر، حيث يتوقع أن تضيف عودة الإيرادات لمستوياتها الطبيعية (حوالي 8-10 مليار دولار سنوياً) دعماً إضافياً هائلاً للجنيه. ومع استمرار الحكومة في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية وجذب الاستثمارات الخليجية والأوروبية في قطاعات الطاقة والهيدروجين الأخضر، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار استقرار الدولار عند مستوياته الحالية مع ميل طفيف للارتفاع الطبيعي والهادئ، بعيداً عن الصدمات الفجائية التي عانى منها السوق في السنوات الماضية.

إقرأ أيضاً من موقعنا: