(القاهرة – رويترز) – واصلت أسعار الذهب في مصر رحلة صعودها القياسية خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، 20 يناير 2026، مسجلة قفزات غير مسبوقة وضعت المعدن الأصفر عند مستويات تاريخية لم يشهدها السوق من قبل. وتجاوز سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولاً ومبيعاً في الأسواق المصرية، حاجز الـ 6300 جنيه، مدفوعاً بزيادة جنونية في السعر العالمي للأوقية التي اقتربت من 4730 دولاراً، وسط مخاوف جيوسياسية عالمية وتوترات تجارية متصاعدة أعادت تشكيل خريطة الملاذات الآمنة، مما دفع المستثمرين المحليين والدوليين للتحوط بالمعدن النفيس، ليتجاوز الجنيه الذهب في مصر حاجز الـ 50 ألف جنيه لأول مرة في تاريخه.
تفاصيل المشهد: قفزات سعرية وترقب في الصاغة
شهدت أسواق الصاغة المصرية منذ الساعات الأولى لصباح اليوم حركة غير اعتيادية، حيث استيقظ المتعاملون على لوحات أسعار تتبدل أرقامها بسرعة متلاحقة. ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن شعبة الذهب والمجوهرات وتجار الصاغة في القاهرة، سجل سعر جرام الذهب عيار 24، الذي يعد المعيار الأنقى للمعدن والمكون الأساسي للسبائك الاستثمارية، مستوى قياسياً بلغ نحو 7235 جنيهاً مصرياً، وهو رقم كان يعد ضرباً من الخيال قبل عامين فقط. هذا الارتفاع الكبير ألقى بظلاله فوراً على حركة البيع والشراء، حيث سيطرت حالة من الترقب الحذر على المواطنين، بين من يرغب في البيع لجني الأرباح التاريخية، ومن يخشى الشراء عند القمة.
وفي تفاصيل العيارات الأخرى التي تهم شريحة واسعة من المستهلكين، قفز سعر جرام الذهب عيار 21، وهو العيار الشعبي والمفضل للأسر المصرية خاصة في مناطق الوجه القبلي والبحري، ليسجل 6330 جنيهاً، بزيادة قدرها نحو 85 جنيهاً مقارنة بإغلاق تعاملات الأمس. هذه الزيادة اليومية الحادة تعكس مدى ارتباط السوق المحلي بالسوق العالمي بشكل لحظي، حيث لم يعد سعر الصرف هو المؤثر الوحيد، بل أصبحت شاشات البورصات العالمية هي المحرك الأول للأسعار في ظل استقرار نسبي لسعر الدولار في البنوك المصرية عند مستويات 47.50 جنيه.
أما عيار 18، الذي يزداد الطلب عليه في القاهرة والإسكندرية للمشغولات الذهبية ذات التصاميم العصرية، فقد وصل سعره إلى 5425 جنيهاً للجرام، مما يضع أعباء إضافية على المقبلين على الزواج، حيث ارتفعت تكلفة “الشبكة” بشكل كبير. ويرى التجار أن الفجوة بين سعر البيع والشراء قد اتسعت قليلاً لتصل إلى نحو 50 جنيهاً في الجرام، وهو إجراء تحوطي يلجأ إليه التجار عادة في أوقات التذبذب السعري العنيف لضمان عدم الخسارة في حال حدوث تصحيح مفاجئ للأسعار العالمية.
خلفية الصعود: عاصفة عالمية وتوترات جيوسياسية
لا يمكن قراءة المشهد المحلي في مصر بمعزل عن العاصفة التي تضرب الأسواق العالمية. فالسعر العالمي للأوقية (الأونصة) يواصل تحطيم الأرقام القياسية، حيث سجلت العقود الفورية للذهب اليوم مستوى 4725 دولاراً للأوقية، مع ملامسة مستوى 4730 دولاراً في بعض التداولات. يعزو المحللون الاقتصاديون هذا الانفجار السعري إلى حزمة من العوامل المعقدة، أبرزها عودة التوترات التجارية بين القوى العظمى، خاصة بعد التهديدات الأمريكية بفرض تعريفات جمركية جديدة على واردات أوروبية وآسيوية، مما أعاد شبح “الحروب التجارية” إلى الواجهة وزاد من حالة عدم اليقين الاقتصادي.
بالإضافة إلى ذلك، تلعب التوترات الجيوسياسية في مناطق متعددة من العالم دوراً محورياً في تعزيز مكانة الذهب كملاذ آمن وحيد. فمع استمرار الصراعات الإقليمية وعدم الاستقرار في سلاسل الإمداد، تتجه البنوك المركزية حول العالم، بما فيها بنوك الأسواق الناشئة، إلى تكديس الذهب كاحتياطي استراتيجي بديل عن العملات الورقية التي تعاني من التضخم وتآكل القيمة الشرائية. هذا الطلب المؤسسي الضخم يخلق أرضية صلبة للأسعار تمنعها من الهبوط الحاد وتدفعها لتسجيل قمم جديدة يوماً بعد يوم.
محلياً في مصر، ورغم الاستقرار النسبي في سوق الصرف والقضاء على السوق السوداء للدولار منذ فترة، إلا أن الذهب أصبح هو “الترمومتر” الحقيقي لمخاوف التضخم وحفظ القيمة. المصريون، الذين يمتلكون ثقافة عريقة في ادخار الذهب، وجدوا في المعدن الأصفر طوق النجاة الوحيد للحفاظ على مدخراتهم، خاصة مع تجاوز عوائد الاستثمار في الذهب لأي أوعية ادخارية أخرى خلال العامين الماضيين (2024 و2025)، مما عزز من قناعة الشارع المصري بأن “الذهب لا يصدأ ولا يخسر”.
لغة الأرقام: الجنيه الذهب يكسر حاجز الـ 50 ألفاً
تتحدث الأرقام اليوم بلغة لم يعهدها السوق المصري من قبل، ولعل الرقم الأبرز في تعاملات اليوم هو سعر “الجنيه الذهب”. فقد كسر الجنيه الذهب (الذي يزن 8 جرامات من عيار 21) حاجز الـ 50 ألف جنيه لأول مرة في التاريخ، مسجلاً نحو 50,640 جنيهاً. هذا الرقم يحمل دلالة نفسية هامة للغاية للمستثمرين الصغار، حيث كان الجنيه الذهب يُباع بنصف هذا السعر تقريباً قبل عامين، مما يعني أن من استثمر في الذهب حقق عائداً يقترب من 100% خلال فترة وجيزة، وهو معدل نمو يتفوق على العقارات والشهادات البنكية.
وبالنظر إلى سبائك الذهب، فقد سجلت سبيكة الـ 50 جراماً (عيار 24) سعراً يقترب من 362,000 جنيه، بينما تخطت سبيكة الـ 100 جرام حاجز الـ 723,000 جنيه. هذه الأرقام الضخمة غيرت من هيكل الطلب في السوق، حيث رصدت شعبة الذهب تحولاً ملحوظاً نحو شراء السبائك الصغيرة (1 جرام و 2.5 جرام) من قبل صغار المدخرين الذين لم يعد بمقدورهم شراء الأوزان التقليدية الكبيرة، في محاولة للحاق بقطار الأسعار الصاعد ولو بقدر يسير.
على الصعيد العالمي، تشير البيانات إلى أن الذهب قد حقق مكاسب تجاوزت 150 دولاراً في الأونصة خلال الأسبوع الحالي فقط. وإذا ما قارنا الأسعار الحالية بأسعار يناير 2025، سنجد أن الذهب قفز بنسبة تتجاوز 40% عالمياً، ومحلياً زادت النسبة بفعل عوامل العرض والطلب المحلي. هذا الزخم القوي يؤكد أن الاتجاه العام للصعود (Bullish Trend) ما زال هو المسيطر، وأن أي تراجعات سعرية لا تعدو كونها عمليات “جني أرباح” مؤقتة سرعان ما يعاود بعدها المؤشر صعوده.
التوقعات المستقبلية: هل نرى الذهب عند 7000 جنيه؟
في ظل هذه المعطيات، يطرح الجميع السؤال الأهم: إلى أين تتجه الأسعار؟ يرى خبراء اقتصاد ومحللون فنيون أن الذهب لم يقل كلمته الأخيرة بعد. وتشير التوقعات الصادرة عن مؤسسات مالية عالمية إلى احتمالية أن تكسر الأوقية حاجز الـ 5000 دولار بحلول منتصف عام 2026 إذا استمرت وتيرة التوترات الجيوسياسية وخفض الفائدة الأمريكية المتوقع. وإذا تحقق هذا السيناريو العالمي، فإن انعكاسه على السوق المصري سيكون فورياً وعنيفاً.
محلياً، يتوقع أعضاء في شعبة الذهب أن يواصل عيار 21 استهداف مستويات جديدة، وربما نرى مستوى 6500 جنيه ثم 7000 جنيه للجرام قبل نهاية الربع الثاني من العام الحالي، بشرط استمرار ثبات سعر الصرف عند مستوياته الحالية. ويحذر الخبراء من أن أي تحرك في سعر الدولار نحو الارتفاع، بالتزامن مع الصعود العالمي للذهب، قد يؤدي إلى “قفزات مزدوجة” في الأسعار المحلية، مما يجعل التنبؤ بالسقف السعري أمراً بالغ الصعوبة.
ورغم هذه التوقعات المتفائلة للمستثمرين (والمتشائمة للمستهلكين)، ينصح خبراء السوق بضرورة الحذر وعدم الانجراف وراء الشراء العشوائي بكامل السيولة في أوقات القمم التاريخية، مفضلين استراتيجية “متوسط التكلفة” (Dollar Cost Averaging) عبر الشراء على دفعات صغيرة. وتبقى النصيحة الذهبية الموجهة للمواطنين هي أن الذهب استثمار طويل الأجل لا يجب تقييمه بتحركات يومية أو أسبوعية، بل هو مخزن للقيمة يحمي المال من تقلبات الزمن وتآكل العملات، وهو الدرس الذي أثبتت الأيام صحته في السوق المصري مراراً وتكراراً.