(الرباط/القاهرة – وكالة رويترز) – تترقب القارة السمراء وعشاق الساحرة المستديرة حول العالم حدثاً استثنائياً في تاريخ الكرة الأفريقية، حيث تستعد المملكة المغربية لاستضافة النسخة الخامسة والثلاثين من بطولة كأس الأمم الأفريقية، في نسخة توصف بأنها “بروفة مونديالية” قبل استحقاق 2030. وبينما تنطلق البطولة رسمياً في أواخر ديسمبر 2025، فإن الثقل الحقيقي للمنافسات والمواجهات الحاسمة سيشكل ملامح مطلع العام 2026، لتكون المرة الأولى التي تمتد فيها البطولة عبر عامين ميلاديين بشكل رسمي ومخطط له مسبقاً في فصل الشتاء. وتكتسب مباريات يناير 2026 أهمية قصوى كونها ستشهد أدوار خروج المغلوب ومعركة التتويج باللقب الأغلى، وسط تحضيرات لوجستية وأمنية غير مسبوقة تضع المغرب في صدارة المشهد الرياضي العالمي.
تفاصيل الجدول الزمني: شتاء ساخن في ملاعب المملكة
أعلن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) رسمياً عن المواعيد النهائية للبطولة، حيث تقرر أن يكون حفل الافتتاح يوم 21 ديسمبر 2025، إلا أن “ذروة” البطولة ستكون في شهر يناير 2026. ووفقاً للجدول المعتمد، ستنتهي مرحلة المجموعات مع نهاية العام 2025، ليدخل المنتخبات الـ 24 مرحلة “كسر العظم” مع بداية العام الجديد. وستنطلق مباريات دور الـ 16 في الأيام الأولى من يناير 2026، وتحديداً بين 3 و 6 يناير، موزعة على المدن الست المستضيفة، مما يعني أن الجماهير ستكون على موعد مع كرة قدم مكثفة وعالية المستوى مع انطلاقة السنة الجديدة، في توقيت يعتبر مثالياً للاعبين المحترفين في أوروبا لكونهم في منتصف موسمهم الكروي وليس في نهايته كما جرت العادة في النسخ الصيفية.
وفيما يخص الأدوار المتقدمة التي ستلعب جميعها في 2026، فمن المقرر إقامة مباريات ربع النهائي يومي 9 و10 يناير، تليها مباراتا نصف النهائي في 14 يناير. وقد تم تحديد يوم الأحد، 18 يناير 2026، موعداً للمباراة النهائية التي ستقام على الأرجح في “المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله” بالرباط بعد تجديده الشامل. هذا التوقيت الشتوي جاء بعد مفاوضات ماراثونية بين الكاف والاتحاد الدولي (فيفا) والسلطات المغربية لتجنب التعارض مع النسخة الجديدة من كأس العالم للأندية التي ستقام صيفاً، وكذلك لتفادي حرارة الصيف المرتفعة في بعض المناطق، مما يضمن طقسًا مثالياً لممارسة كرة القدم وتجربة جماهيرية مريحة.
وتشير التقارير الواردة من اللجنة المنظمة إلى أن توزيع المباريات في 2026 سيراعي التوزيع الجغرافي لضمان امتلاء المدرجات. فبينما ستستضيف الدار البيضاء والرباط المباريات الأكثر جماهيرية، ستلعب مدن مثل طنجة ومراكش وأكادير وفاس أدواراً محورية في استضافة مباريات الأدوار الإقصائية. ويأتي هذا التوزيع ليعزز من السياحة الرياضية في المملكة، حيث يتوقع تدفق عشرات الآلاف من المشجعين الأوروبيين والأفارقة، مستفيدين من القرب الجغرافي للمغرب من القارة العجوز وسهولة التنقل عبر شبكة القطار فائق السرعة (البراق) التي تربط المحاور الرئيسية للبطولة.
خلفية الاستضافة: المغرب يقدم أوراق اعتماده للعالم
لا يمكن فصل الحديث عن مباريات كأس الأمم الأفريقية 2026 عن السياق الاستراتيجي الأوسع الذي يتحرك فيه المغرب. فالمملكة لا تنظر لهذه البطولة كحدث قاري فحسب، بل كاختبار حقيقي وعملي لجاهزيتها لاستضافة كأس العالم 2030 (بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال). وقد خضعت الملاعب الستة المخصصة للبطولة لعمليات تجديد وتطوير جذرية لتتطابق مع معايير الفيفا الصارمة. على سبيل المثال، تم إعادة بناء ملعب الرباط ليصبح تحفة معمارية بسعة تتجاوز 68 ألف متفرج، بينما يشهد ملعب طنجة الكبير توسعة ضخمة وإزالة للمضمار الأولمبي ليكون ملعباً خاصاً بكرة القدم، مما يزيد من صخب الجماهير وقربهم من الحدث، وهو ما سيضفي أجواءً حماسية استثنائية على مباريات الأدوار النهائية في يناير 2026.
تاريخياً، يمثل تنظيم البطولة في المغرب (للمرة الثانية بعد نسخة 1988) عودة الروح للبطولة في شمال أفريقيا بعد نجاح مصر في تنظيم نسخة 2019. لكن الاختلاف الجوهري هذه المرة يكمن في البنية التحتية المتطورة جداً التي يمتلكها المغرب حالياً، من ملاعب التدريب الملحقة (أكثر من 24 ملعب تدريب بمواصفات عالمية) إلى الفنادق وشبكات النقل. ويسعى المغرب من خلال هذه النسخة إلى محو الصورة النمطية عن المشاكل التنظيمية التي صاحبت بعض النسخ السابقة في القارة، وتقديم نموذج يحتذى به يجمع بين الاحترافية الأوروبية والشغف الأفريقي، خاصة وأن رئيس الكاف “باتريس موتسيبي” قد راهن مراراً على أن نسخة المغرب ستكون “الأفضل في تاريخ القارة”.
علاوة على ذلك، يأتي اختيار توقيت المباريات في شتاء 2026 ليحل معضلة أزلية كانت تؤرق الكاف، وهي صراع الأجندة الدولية. فإقامة البطولة في يناير وفبراير كان دائماً يثير حفيظة الأندية الأوروبية، لكن هذه المرة، تم التنسيق مبكراً، ويبدو أن هناك قبولاً ضمنياً بالأمر الواقع نظراً لاستحالة اللعب صيفاً بسبب مونديال الأندية الموسع. هذا التوقيت سيعيد للبطولة بريقها الفني، حيث سيحضر النجوم الكبار مثل محمد صلاح، أشرف حكيمي، وفيكتور أوسيمين وهم في كامل لياقتهم البدنية، بعكس بطولات الصيف التي يأتي إليها اللاعبون منهكين بعد مواسم طويلة وشاقة.
أرقام وحقائق: اقتصاديات البطولة ومسرح الأحداث
بلُغة الأرقام، ستشهد مباريات كأس الأمم الأفريقية التي تختتم في 2026 مشاركة 24 منتخباً، سيخوضون إجمالاً 52 مباراة. ومن المتوقع أن تتجاوز العوائد المادية لهذه النسخة كل التوقعات، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الكاف يستهدف زيادة الجوائز المالية بنسبة قد تصل إلى 40% مقارنة بنسخة كوت ديفوار الأخيرة، مما يجعل المنافسة في مباريات الأدوار الإقصائية في يناير 2026 أكثر شراسة وحدّة. الجائزة الكبرى قد تلامس سقف الـ 10 ملايين دولار للمنتخب الفائز، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المسابقة، يهدف إلى تحفيز الاتحادات الوطنية واللاعبين على تقديم أفضل ما لديهم.
على صعيد السعة الجماهيرية، توفر الملاعب المغربية طاقة استيعابية هائلة. فملعب طنجة (ابن بطوطة) بعد التوسعة سيتسع لأكثر من 75 ألف متفرج، وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء (الذي يخضع لإصلاحات) سيبقى أيقونة بسعة تقارب 45 ألفاً، بالإضافة إلى ملعب الرباط الجديد (68 ألفاً)، وملاعب مراكش وأكادير وفاس التي تتراوح سعتها بين 35 و45 ألف متفرج. هذه الأرقام تعني أن البطولة قادرة على استيعاب أكثر من مليون و200 ألف مشجع طوال فترة المنافسات، مع توقعات بأن تشهد مباريات المنتخب المغربي والمنتخبات العربية (مصر، الجزائر، تونس) نسب حضور قياسية قد تصل إلى 100% من سعة الملاعب.
وفيما يتعلق بالبث التلفزيوني، يتوقع أن يتم بث مباريات “كان 2025-2026” إلى أكثر من 160 دولة حول العالم. وتراهن الشركة الراعية للكاف على توقيت المباريات المسائي (السابعة والعاشرة مساءً بتوقيت المغرب) ليتناسب مع وقت الذروة في أوروبا وأفريقيا، ومع الصباح في الأمريكتين، مما يضمن نسب مشاهدة مليارية خاصة في الأدوار النهائية. كما تم اعتماد تقنيات تصوير وإخراج تلفزيوني بدقة 4K لأول مرة بشكل شامل في جميع المباريات، مع استخدام موسع لتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) بأحدث إصداراتها لضمان العدالة التحكيمية في هذا المحفل القاري الكبير.
التوقعات الفنية: صراع العمالقة في عام المونديال
فنيًا، تعتبر مباريات يناير 2026 في المغرب بمثابة “حرب تكتيكية” مفتوحة. التوقعات تصب بشكل كبير في مصلحة صاحب الأرض، المنتخب المغربي، الذي وصل لنصف نهائي كأس العالم 2022، والذي سيتسلح بجماهيره العريضة لكسر عقدة اللقب الغائب منذ عام 1976. اللعب على أرضية ملاعب عالمية وبطقس معتدل يخدم أسلوب لعب “أسود الأطلس” الذي يعتمد على التمريرات القصيرة والسرعة، وهو نفس الأسلوب الذي يناسب منتخبات شمال أفريقيا عموماً ومصر والجزائر، مما يرجح كفة المنتخبات العربية للوصول إلى المربع الذهبي في هذه النسخة أكثر من أي وقت مضى.
على الجانب الآخر، لن تكون منتخبات غرب أفريقيا صيداً سهلاً. فالسنغال (حامل اللقب في 2021) وكوت ديفوار (بطلة 2023) ونيجيريا تمتلك ترسانة من النجوم المحترفين في كبرى الدوريات. التوقعات تشير إلى أن النسخة المغربية ستشهد نضجاً تكتيكياً كبيراً، حيث بدأ المدربون في أفريقيا يعتمدون على الواقعية والانضباط الدفاعي أكثر من الاندفاع البدني. ومن المتوقع أن تكون مباريات خروج المغلوب في 2026 مغلقة وحذرة، وقد تحسم الكثير منها عبر تفاصيل صغيرة أو ركلات الترجيح، نظراً لتقارب المستويات الفنية بين المنتخبات الثمانية الكبرى في القارة.
وأخيراً، لا يمكن إغفال تأثير تصفيات كأس العالم 2026 التي ستكون قد قطعت شوطاً كبيراً بالتزامن مع البطولة. فالمنتخبات ستدخل المعترك الأفريقي وهي في حالة تنافسية قصوى، حيث ستكون هذه البطولة فرصة لتجربة التشكيلات الأساسية قبل استكمال مشوار المونديال. هذا التداخل بين طموح التزعم القاري وحلم الوصول للمونديال سيجعل من مباريات كأس الأمم الأفريقية في المغرب وجبة كروية دسمة، وربما نشهد ميلاد نجوم جدد يكتبون أسماءهم بأحرف من ذهب قبل الانتقال إلى الملاعب العالمية الكبرى.