القاهرة – (رويترز): في تعاملات صباح اليوم الثلاثاء، العشرين من يناير 2026، خيم الهدوء الحذر والاستقرار الإيجابي على سوق الصرف الأجنبي في مصر، حيث حافظ الريال السعودي على مستوياته السعرية المتوازنة مقابل الجنيه المصري في البنوك الحكومية والخاصة. ويأتي هذا الاستقرار مدعوماً بتوافر السيولة الدولارية لدى البنك المركزي المصري، وعودة مؤشرات النمو للقطاعات الحيوية، تزامناً مع بدء الترتيبات المبكرة لموسم عمرة شهر رجب، مما يعكس نجاح السياسات النقدية التي انتهجتها القاهرة على مدار العامين الماضيين في كبح جماح السوق الموازية وتوحيد سعر الصرف.
التفاصيل: استقرار ملحوظ وسط توافر السيولة واختفاء السوق الموازية
شهدت البنوك المصرية العاملة في القطاع المصرفي صباح اليوم الثلاثاء حركة تداول منتظمة، حيث لم تطرأ تغيرات عنيفة على أسعار صرف العملات العربية، وتحديداً الريال السعودي الذي يحظى بطلب مرتفع تقليدياً في مثل هذا التوقيت من العام. ووفقاً لبيانات شاشات التداول اللحظية، فإن الفارق بين أسعار البيع والشراء ظل في حدوده الطبيعية الضيقة التي لا تتجاوز قروشاً قليلة، وهو مؤشر قوي على صحة السوق واختفاء ظاهرة المضاربة التي كانت تؤرق الاقتصاد المصري قبل عام 2024. وقد أكد متعاملون ومصادر مصرفية لرويترز أن الطلبات التجارية والشخصية للحصول على الريال يتم تلبيتها بسلاسة تامة عبر القنوات الرسمية.
وفي سياق متصل، يبدو أن “السوق السوداء” قد تلاشت تماماً من المشهد الاقتصادي المصري في مطلع 2026، حيث أصبحت الأسعار الرسمية في البنوك هي المعيار الوحيد والحقيقي لقيمة العملة. ويعزو المحللون ذلك إلى الوفرة في الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي تجاوز حاجز الـ 50 مليار دولار بنهاية عام 2025، مما منح البنك المركزي القدرة على المناورة وتلبية احتياجات المستوردين والمعتمرين دون اللجوء للأسواق غير الرسمية. هذا الاستقرار خلق بيئة استثمارية آمنة وجاذبة لرؤوس الأموال الخليجية التي عادت للتدفق بقوة.
ورغم التوقعات التقليدية بزيادة السعر مع اقتراب مواسم الذروة الدينية (رجب وشعبان ورمضان)، إلا أن الريال السعودي أظهر تماسكاً مدهشاً عند مستويات تدور حول 12.60 – 12.70 جنيه، وهو ما يفسره الخبراء بزيادة تحويلات المصريين العاملين في المملكة العربية السعودية، والتي سجلت أرقاماً قياسية في الربع الأخير من العام الماضي، مما خلق توازناً طبيعياً بين العرض والطلب داخل السوق المحلي، وجعل الجنيه المصري يقف على أرض صلبة أمام سلة العملات.
الخلفية: ثمار الإصلاح الاقتصادي وعودة شريان قناة السويس
لا يمكن قراءة مشهد اليوم بمعزل عن التطورات الاقتصادية الكلية التي شهدتها مصر مؤخراً. فبعد عامين من تحرير سعر الصرف وإبرام صفقة “رأس الحكمة” الكبرى، بدأ الاقتصاد المصري يجني ثمار الاستقرار الهيكلي. وتشير التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي، إلى أن مصر نجحت في خفض معدلات التضخم بشكل ملموس، حيث تشير التوقعات إلى تراجعه لمستويات 11% بحلول منتصف 2026، مما خفف الضغط على العملة المحلية وقلل من تآكل القوة الشرائية للجنيه أمام الريال والدولار.
عامل حيوي آخر دخل المعادلة بقوة في مطلع 2026، وهو التعافي الملحوظ في إيرادات قناة السويس. فبعد فترة من التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر التي أثرت على حركة الملاحة في عامي 2024 و2025، تشير البيانات الأولية للربع الأول من العام المالي الحالي إلى عودة التدفقات الدولارية من القناة للنمو الإيجابي. هذا التعافي وفّر رافداً مهماً للعملة الصعبة، مما عزز من قدرة البنوك على تمويل الاعتمادات المستندية وتوفير الريال السعودي لشركات السياحة دون أي عوائق.
كما تلعب العلاقات المصرية السعودية المتنامية دوراً محورياً في هذا الاستقرار. فالاستثمارات السعودية المباشرة في قطاعات الطاقة والعقار والسياحة في مصر لم تتوقف، بل زادت وتيرتها، مما عزز من توافر العملة السعودية داخل النظام المصرفي المصري. ويؤكد الخبراء أن التنسيق المالي بين البنكين المركزيين في البلدين ساهم في خلق آليات تسوية سهلت التجارة البينية وقللت من الحاجة الماسة للدولار كوسيط، مما انعكس إيجاباً على استقرار سعر صرف الريال.
لغة الأرقام: أسعار الصرف في البنوك المصرية (تحديث الثلاثاء 20 يناير 2026)
سجلت شاشات البنوك المصرية اليوم أرقاماً تعكس هذا الاستقرار، مع تباين طفيف جداً بين البنوك الحكومية والخاصة. ففي البنك الأهلي المصري وبنك مصر (أكبر بنكين حكوميين)، استقر سعر شراء الريال السعودي عند مستوى 12.58 جنيه، بينما سجل سعر البيع 12.65 جنيه، وهي مستويات تعكس حرص البنوك الوطنية على توفير العملة بسعر عادل للمواطنين. وتعتبر هذه الأسعار مؤشراً قياسياً يعتمد عليه باقي السوق في تحديد الاتجاهات.
أما في القطاع المصرفي الخاص، فقد سجل البنك التجاري الدولي (CIB) سعراً للشراء بلغ 12.60 جنيه وللبيع 12.65 جنيه، متماهياً بشكل كبير مع البنوك الحكومية. وفي المقابل، سجل مصرف أبو ظبي الإسلامي أعلى سعر للشراء عند 12.66 جنيه وللبيع عند 12.69 جنيه، وهو هامش ضيق للغاية يعكس التنافسية الشديدة بين البنوك لجذب التدفقات النقدية. ويلاحظ أن متوسط السعر المعلن من البنك المركزي المصري يدور حول 12.62 جنيه للشراء و12.66 جنيه للبيع.
وتشير هذه الأرقام، مقارنة بأسعار الأسبوع الماضي، إلى تحرك طفيف بزيادة قدرها قرش واحد فقط في بعض البنوك، وهو تحرك طبيعي جداً يتوافق مع آليات العرض والطلب اليومية ولا يشير إلى أي أزمات هيكلية. كما أن الفروقات بين أسعار التحويلات الإلكترونية وأسعار النقد (الكاش) تكاد تكون منعدمة، مما يسهل على المغتربين إرسال أموالهم عبر القنوات الرسمية بأسعار مجزية ومنافسة.
التوقعات: مسار الريال في الربع الأول من 2026 وآفاق المستقبل
بالنظر إلى المستقبل القريب، يتوقع محللو بنك “ستاندرد تشارترد” وغيرهم من المؤسسات المالية أن يستمر الجنيه المصري في مساره المستقر، وربما يميل للتحسن الطفيف أمام الريال السعودي والدولار مع نهاية الربع الأول من 2026. وتدعم هذه التوقعات مؤشرات قوية على نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنسبة قد تصل إلى 4.5% هذا العام، مدعوماً بانتعاش السياحة التي تستهدف 19 مليون سائح، مما يضمن تدفقاً مستمراً للعملات الأجنبية يغطي الطلب المتزايد.
ومع ذلك، يظل موسم العمرة القادم (رجب وشعبان ورمضان) اختباراً مهماً لقدرة البنوك على استيعاب الطلب الموسمي. ويرجح الخبراء أن البنك المركزي المصري قد قام بالفعل بتكوين احتياطيات كافية لمواجهة هذا الطلب، وبالتالي لا يتوقع حدوث قفزات سعرية مفاجئة. السناريو المرجح هو أن يتراوح سعر الريال بين 12.60 و 12.80 جنيه كحد أقصى خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وهو نطاق آمن ومقبول للشركات والمواطنين على حد سواء.
ختاماً، يمكن القول إن عام 2026 يبدأ بداية مبشرة للعملة المصرية، حيث يبدو أن عهد التقلبات العنيفة قد ولى. الارتباط الوثيق بين الاستقرار السياسي والاقتصادي، والالتزام ببرنامج الإصلاح الهيكلي، وعودة الموارد الدولارية الطبيعية (قناة السويس والسياحة)، كلها عوامل تجعل من سعر الريال السعودي اليوم مرآة تعكس تعافي الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود أمام التحديات الإقليمية والدولية.