الرباط تعانق المجد القاري.. المغرب يتوج بلقب كأس الأمم الأفريقية 2025 في ليلة تاريخية

الرباط تعانق المجد القاري.. المغرب يتوج بلقب كأس الأمم الأفريقية 2025 في ليلة تاريخية

(الرباط – رويترز) – أسدل الستار ليل الأحد على النسخة الخامسة والثلاثين من كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم بتتويج تاريخي للمنتخب المغربي المضيف، الذي نجح في استثمار عاملي الأرض والجمهور ليحصد لقبه الثاني في تاريخه، منهياً عقوداً من الانتظار منذ لقب 1976. وجاء هذا الانتصار في ختام بطولة استثنائية نظمتها المملكة المغربية، واعتبرها مراقبون دوليون “بروفة مثالية” استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030، حيث قدم المغرب نموذجاً تنظيمياً فاق التوقعات، معلناً عن جاهزيته الكاملة لقيادة القارة السمراء نحو عصر رياضي جديد.

تفاصيل المشهد الختامي الدرامي في مجمع مولاي عبد الله

شهد المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله في العاصمة الرباط ليلة لا تنسى، حيث امتلأت المدرجات عن آخرها بأكثر من 60 ألف متفرج توافدوا منذ الساعات الأولى للصباح لمؤازرة “أسود الأطلس”. المباراة النهائية التي جمعت بين المنتخب المغربي ونظيره السنغالي القوي، وفت بكل وعودها الفنية والتكتيكية. وتمكن المنتخب المغربي من حسم اللقب لصالحه بنتيجة 2-1 في مباراة حبست الأنفاس حتى دقائقها الأخيرة، حيث سجل هدف الفوز القاتل في الشوط الإضافي الثاني، مفجراً فرحة هستيرية في شوارع الرباط والدار البيضاء وكافة المدن المغربية.

المدرب وليد الركراكي، الذي قاد المغرب لإنجاز المربع الذهبي في مونديال قطر، أكد مجدداً علو كعبه تكتيكياً، حيث أدار المباراة بذكاء شديد أمام منتخب سنغالي مدجج بالنجوم والمحترفين في كبار أندية أوروبا. تميز الأداء المغربي بالانضباط الدفاعي الصارم والتحولات الهجومية السريعة التي أرهقت دفاعات “أسود التيرانغا”. ولم تكن المباراة مجرد تنافس رياضي، بل كانت صراعاً بدنياً وذهنياً استنزف طاقات اللاعبين، مما جعل هدف الحسم بمثابة الرصاصة التي أعلنت تتويج الجهد الشاق الذي بذله الفريق طوال البطولة التي أقيمت لأول مرة في فصل الشتاء.

وعقب صافرة النهاية، سلم باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)، الكأس الغالية لقائد المنتخب المغربي وسط أجواء احتفالية عالمية تضمنت عروضاً ضوئية وألعاباً نارية أضاءت سماء الرباط. هذا التتويج لم يكن مجرد فوز ببطولة، بل كان بمثابة رسالة تأكيد على أن الكرة المغربية تعيش أزهى عصورها، وأن الجيل الحالي من اللاعبين قد نجح في كسر العقدة التي لازمت المغرب في النهائيات القارية لعقود طويلة، معيداً الكأس إلى خزائن الرباط بعد غياب دام قرابة نصف قرن.

خلفية البطولة وتنظيم “البروفة المونديالية”

أقيمت هذه النسخة بشكل استثنائي في الفترة ما بين 21 ديسمبر 2025 و18 يناير 2026، في سابقة هي الأولى من نوعها لتفادي التعارض مع بطولة كأس العالم للأندية الموسعة التي أقرها الفيفا صيفاً. هذا التغيير في الروزنامة فرض تحديات لوجستية وفنية كبيرة، إلا أن المغرب نجح في تحويلها إلى نقاط قوة. الطقس المعتدل شتاءً في شمال أفريقيا ساعد اللاعبين على تقديم مستويات بدنية عالية، بعيداً عن الرطوبة والحرارة التي ميزت النسخ السابقة في دول غرب ووسط أفريقيا، مما انعكس إيجاباً على جودة المباريات.

البنية التحتية كانت النجم الأول للبطولة بلا منازع. المغرب قدم ستة مدن مضيفة (الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش، فاس، وأكادير) بمواصفات عالمية، حيث خضعت الملاعب لتحديثات شاملة جعلتها تضاهي نظيراتها الأوروبية. شبكة القطارات فائقة السرعة (البراق) التي ربطت بين طنجة والدار البيضاء والرباط سهلت تنقل آلاف المشجعين بسلاسة غير مسبوقة في تاريخ البطولات الأفريقية، مما قضى على المشاكل اللوجستية التقليدية. وقد أشاد جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا الذي حضر النهائي، بالتنظيم المغربي، واصفاً إياه بأنه “يتجاوز المعايير الأفريقية ويلامس العالمية”.

ينظر المحللون إلى نجاح تنظيم “كان 2025” باعتباره حجر الزاوية في ملف المغرب المشترك مع إسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030. فقد أثبتت المملكة قدرتها على إدارة الحشود، وتأمين الفعاليات الكبرى، وتوفير بنية تحتية سياحية وفندقية قادرة على استيعاب مئات الآلاف من الزوار. البطولة لم تكن مجرد حدث رياضي، بل كانت استعراضاً للقوة الناعمة المغربية وقدرتها الدبلوماسية والرياضية، حيث لم تسجل أي خروقات أمنية أو مشاكل تنظيمية تذكر طوال الشهر، مما عزز الثقة الدولية في الملف المونديالي القادم.

لغة الأرقام: جوائز قياسية وإحصائيات لافتة

شهدت نسخة 2025 قفزة نوعية في العوائد المالية، حيث رفع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم قيمة الجوائز المالية بنسبة 40% مقارنة بالنسخة السابقة في كوت ديفوار. وبحسب الأرقام الرسمية، حصل المنتخب المغربي البطل على جائزة مالية قدرها 7 ملايين دولار، بينما نال الوصيف 4 ملايين دولار. هذه الزيادة تعكس النمو الاقتصادي للبطولة وجاذبيتها للرعاة العالميين الذين توافدوا بكثافة للاستثمار في الحدث الذي تم بثه في أكثر من 160 دولة حول العالم، محققاً نسب مشاهدة قياسية تجاوزت التوقعات.

على الصعيد الفني، سجلت البطولة معدلاً تهديفياً مرتفعاً بلغ 2.4 هدف في المباراة الواحدة، وهو معدل جيد يعكس تطور الكرة الهجومية في القارة. وتوج نجم المنتخب المغربي بجائزة أفضل لاعب في البطولة بعد أدائه الاستثنائي، بينما ذهبت جائزة الهداف لمهاجم منتخب نيجيريا الذي ودع البطولة من نصف النهائي. كما سجلت الملاعب حضوراً جماهيرياً قياسياً، حيث أعلنت اللجنة المنظمة عن نفاد تذاكر معظم المباريات، خاصة تلك التي كان طرفها المنتخب المضيف أو المنتخبات الكبرى مثل مصر والسنغال والجزائر، بإجمالي حضور تخطى المليون مشجع.

الإحصائيات الاقتصادية الموازية للبطولة تشير إلى انتعاش كبير في القطاع السياحي المغربي خلال شهر يناير، الذي يعتبر عادة خارج ذروة الموسم السياحي. الفنادق في المدن المستضيفة سجلت نسب إشغال قاربت 100%، وقطاع الخدمات والنقل شهد رواجاً كبيراً. تشير التقديرات الأولية إلى أن العوائد المباشرة وغير المباشرة للبطولة قد تضخ مئات الملايين من الدولارات في الاقتصاد المحلي، مما يؤكد جدوى الاستثمار في الرياضة كرافع للتنمية الاقتصادية، وهو النموذج الذي يسعى المغرب لتصديره لباقي دول القارة.

التوقعات ومستقبل الخارطة الكروية الأفريقية

بعد إسدال الستار على هذه النسخة، تتجه الأنظار الآن نحو المستقبل. يرى الخبراء أن فوز المغرب وتنظيمه المبهر سيضع ضغطاً كبيراً على الدول المستضيفة للنسخ القادمة (كينيا وأوغندا وتنزانيا في 2027) للحفاظ على هذا المستوى العالي من المعايير. كما أن نجاح البطولة شتاءً قد يدفع الكاف لإعادة النظر بشكل دائم في روزنامة البطولات لتناسب الظروف المناخية وارتباطات اللاعبين المحترفين في أوروبا، رغم تعارض ذلك المحتمل مع الدوريات الأوروبية، مما ينذر بجولات جديدة من المفاوضات بين الكاف والفيفا والأندية الأوروبية.

كروياً، أكدت البطولة بداية تحول في موازين القوى. المنتخبات التقليدية الكبرى لا تزال حاضرة، لكن الفجوة مع المنتخبات المتوسطة تتقلص بسرعة. رأينا في هذه النسخة أداءً قوياً من منتخبات مثل مالي وبوركينا فاسو، مما يوحي بأن تصفيات كأس العالم 2026 (التي ستستكمل قريباً) ستكون طاحنة. المغرب بترسانته البشرية وبنيته التحتية يبدو الآن المرشح الأبرز ليس فقط للهيمنة قارياً، بل للذهاب بعيداً في مونديال 2026 في أمريكا والمكسيك وكندا، مدعوماً بجيل ذهبي وصل لمرحلة النضج الكروي.

في الختام، تخرج أفريقيا من نسخة 2025 بصورة ناصعة. البطولة لم تكن مجرد منافسة، بل كانت إعلاناً عن قدرة القارة على تنظيم أحداث عالمية المستوى. بالنسبة للمغرب، انتهى العرس الأفريقي، لكن العمل الحقيقي لكأس العالم 2030 قد بدأ للتو. النجاح اليوم هو مجرد خطوة في رحلة الألف ميل نحو استضافة الحدث الكروي الأكبر في العالم بعد أربع سنوات من الآن، والعالم بأسره بات يدرك أن الرهان على المغرب لم يكن خاسراً.

إقرأ أيضاً من موقعنا: