منتدى دافوس 2026: العالم يبحث عن “روح الحوار” وسط هيمنة الذكاء الاصطناعي وتصدع النظام العالمي

منتدى دافوس 2026: العالم يبحث عن “روح الحوار” وسط هيمنة الذكاء الاصطناعي وتصدع النظام العالمي

دافوس، سويسرا (رويترز) – انطلقت فعاليات الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري هذا الأسبوع، وسط إجراءات أمنية مشددة وأجواء سياسية مشحونة تعكس حالة عدم اليقين التي تكتنف المشهد الدولي. ومع توافد أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة ونحو 800 من الرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات العالمية، يرفع المنتدى هذا العام شعار “روح الحوار” (A Spirit of Dialogue)، في محاولة طموحة -وربما يائسة- لرأب الصدع في نظام عالمي يواجه مخاطر التفكك الجيوسياسي، بينما يفرض “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI) نفسه كلاعب جديد يعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والاجتماعية بسرعة تفوق قدرة المشرعين على اللحاق بها.

عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل: من الدردشة إلى اتخاذ القرار

لم يعد الحديث في أروقة مركز المؤتمرات في دافوس يدور حول قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد النصوص أو الصور كما كان الحال في الأعوام السابقة، بل انتقل النقاش جذرياً نحو ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI). هذا الجيل الجديد من الأنظمة لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذ مهام معقدة في العالم الحقيقي نيابة عن البشر. وقد هيمنت شركات التكنولوجيا الكبرى، التي احتلت واجهات المحلات على طول ممشى “برومناد” الشهير، على المشهد، طارحةً رؤى تكنولوجية تبشر بزيادة غير مسبوقة في الإنتاجية، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاوف عميقة لدى القادة السياسيين والنقابيين الحاضرين بشأن مستقبل الوظائف والمسؤولية القانونية عن قرارات الآلة.

وفي جلسة مغلقة، نوقشت مسودة أولية لميثاق أممي مقترح لتنظيم “الذكاء الاصطناعي المستقل”، حيث يسعى الأمين العام للأمم المتحدة لإطلاق لجنة علمية مستقلة تضم 40 خبيراً لمحاولة كبح جماح النماذج التجارية التي تقودها الشركات الأمريكية والصينية. التوتر كان ملموساً بين الرؤساء التنفيذيين الذين يطالبون بـ “نشر الابتكار على نطاق واسع” دون قيود بيروكرطية، وبين المشرعين الأوروبيين ومنظمات المجتمع المدني التي تحذر من أن عام 2026 قد يكون نقطة اللاعودة إذا سُمح لهذه الأنظمة بالتحكم في البنية التحتية الحيوية أو الأسواق المالية دون رقابة بشرية صارمة، خاصة مع تحذيرات تقارير المخاطر العالمية من احتمالية حدوث “صدمات سيبرانية” غير متوقعة.

الأرقام التي تداولتها تقارير المنتدى تشير إلى أن الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تضاعف ثلاث مرات مقارنة بعام 2024، إلا أن الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والجنوب العالمي تتسع بشكل مخيف. وقد حذر خبراء الاقتصاد في المنتدى من أن احتكار “قوة الحوسبة” (Compute Power) قد يصبح المعيار الجديد للهيمنة الاستعمارية في القرن الحادي والعشرين، مما دفع ممثلي الدول النامية للمطالبة بضمانات لوصول عادل لهذه التقنيات، معتبرين أن “سيادة البيانات” و”السيادة الحوسبية” هما النفط الجديد الذي قد يشعل صراعات المستقبل إذا لم يتم تقاسم عوائده بعدالة.

اقتصاد عالمي متصدع: التجارة في زمن الشك

تحت العنوان الفرعي للمنتدى “التعاون في عالم أكثر تنازعاً”، واجه القادة الاقتصاديون حقيقة مرة تتمثل في تآكل قواعد التجارة الحرة التي بني عليها الازدهار العالمي لعقود. النقاشات ركزت بشكل حاد على ظاهرة “إعادة التموضع التجاري” (Trade Realignment)، حيث تبتعد سلاسل التوريد عن الكفاءة الاقتصادية البحتة لصالح التحالفات الجيوسياسية والأمن القومي. وقد أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي التي نوقشت في الكواليس تباطؤاً ملحوظاً في نمو التجارة العالمية، مع صعود تكتلات اقتصادية إقليمية تتنافس فيما بينها، مما يهدد برفع تكاليف المعيشة عالمياً ويضع الضغوط التضخمية كخطر دائم وليس مؤقتاً لعام 2026.

المخاوف من “المواجهة الجيو-اقتصادية” تصدرت تقرير المخاطر العالمية لهذا العام، حيث أبدى المستثمرون قلقهم من استخدام العقوبات الاقتصادية، والتعريفات الجمركية، والقيود على تصدير التكنولوجيا كأسلحة في الصراعات بين القوى العظمى. وفي أروقة الفنادق الفاخرة التي تعقد فيها الصفقات الجانبية، سادت نبرة حذرة تجاه أزمة الديون السيادية التي تلوح في الأفق، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع أسعار الفائدة وقوة العملات الصعبة. الحديث لم يعد عن “النمو بأي ثمن”، بل عن “المرونة الاقتصادية” (Resilience) والقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، سواء كانت جوائح صحية جديدة أو انقطاعات في سلاسل التوريد.

وفي سياق متصل، برزت آسيا، وبشكل خاص الهند ودول جنوب شرق آسيا، كقاطرة نمو بديلة في ظل التباطؤ في الغرب. وقد خصص المنتدى جلسات موسعة لمناقشة “الصعود الآسيوي” ليس فقط كمركز للتصنيع، بل كمركز للابتكار والاستهلاك. ومع ذلك، حذر القادة الماليون من أن هذا التحول في الثقل الاقتصادي قد يرافقه توترات سياسية، داعين إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية -مثل البنك الدولي وصندوق النقد- لتعكس هذا الواقع الجديد قبل أن تلجأ الدول الصاعدة إلى بناء أنظمة مالية موازية قد تفتت النظام المالي العالمي بالكامل.

حدود الكوكب: الفرصة الأخيرة لإنقاذ 1.5 درجة

رغم هيمنة التكنولوجيا والسياسة، فرض ملف المناخ نفسه بقوة تحت بند “بناء الازدهار ضمن الحدود الكوكبية”. النبرة في دافوس 2026 اختلفت عن السنوات السابقة؛ فقد اختفت الوعود البراقة وحل محلها قلق وجودي حقيقي بعد أن سجل عام 2025 درجات حرارة قياسية جديدة. العلماء الحاضرون في المنتدى قدموا بيانات صادمة تشير إلى أن العالم يقف على حافة تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية بشكل دائم، مما يحول النقاش من “منع” التغير المناخي إلى “التكيف” الجذري معه. التركيز انصب على قطاعات يصعب تنظيفها كالشحن الجوي والصناعات الثقيلة، وسط دعوات لفرض ضرائب كربون عالمية موحدة، وهو مقترح لا يزال يواجه مقاومة شرسة من بعض القوى الاقتصادية الكبرى.

قضية المياه برزت كأحد أهم المخاطر لعام 2026، حيث خصص المنتدى مساحة واسعة لمناقشة “اقتصاديات المياه”. التقارير تشير إلى أن ندرة المياه لم تعد مشكلة بيئية فحسب، بل تهديداً مباشراً لسلاسل توريد الغذاء والطاقة، وحتى لتبريد مراكز البيانات العملاقة التي تشغل الذكاء الاصطناعي. وقد أطلقت مبادرات جديدة تهدف إلى استخدام التكنولوجيا لتحسين كفاءة إدارة الموارد المائية، لكن النشطاء البيئيين الذين تظاهروا عند مداخل دافوس اتهموا الشركات بممارسة “الغسيل الأخضر”، مطالبين بخطط تنفيذية ملزمة بدلاً من طاولات الحوار التي لا تنتهي.

وفي محاولة لدمج الحلول، روج المنتدى لمفهوم “الاقتصاد الحيوي” (Bio-economy) كمسار جديد للنمو. الفكرة تعتمد على استخدام التكنولوجيا الحيوية والمواد الطبيعية كبدائل للمنتجات القائمة على الوقود الأحفوري. ومع ذلك، يبقى التمويل هو العقبة الكبرى؛ فبينما تتطلب التحولات الخضراء تريليونات الدولارات سنوياً، لا تزال تعهدات الدول الغنية بتمويل المناخ للدول الفقيرة دون المستوى المطلوب، مما يعمق أزمة الثقة بين الشمال والجنوب ويعقد الوصول إلى توافق عالمي حقيقي في قمة المناخ القادمة.

رأس المال البشري: الاستثمار في الناس في زمن الأتمتة

الركيزة الخامسة للمنتدى هذا العام، “الاستثمار في الناس”، جاءت استجابة مباشرة للقلق المتزايد من تآكل الطبقة الوسطى عالمياً. تقرير “مستقبل الوظائف 2026” الذي أطلقه المنتدى رسم صورة مختلطة؛ فبينما يخلق الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر ملايين الوظائف الجديدة، فإنها تتطلب مهارات لا يمتلكها جزء كبير من القوى العاملة الحالية. النقاش تركز على ضرورة إحداث “ثورة في إعادة التأهيل” (Reskilling Revolution)، حيث طالب قادة الأعمال الحكومات بتحديث أنظمة التعليم التي عفا عليها الزمن لتواكب سرعة التغير التكنولوجي، محذرين من أن الفشل في ذلك سيؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق.

مفهوم “اقتصاد الدماغ” (Brain Economy) كان أحد المصطلحات الرائجة هذا العام، حيث يركز على الصحة العقلية والمعرفية كرأس مال أساسي للدول. وفي ظل تزايد معدلات الإرهاق الوظيفي والقلق الناجم عن التكنولوجيا، ناقش الخبراء كيف يمكن للشركات والحكومات بناء بيئات عمل تعزز الصحة النفسية والقدرات الإبداعية البشرية التي لا يمكن للآلة استبدالها. وتشير الدراسات المقدمة إلى أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تدهور الصحة العقلية للعمالة تتجاوز تريليونات الدولارات، مما يجعل الاستثمار في رفاهية الإنسان ضرورة اقتصادية وليست مجرد رفاهية اجتماعية.

ختاماً، ومع انتصاف أيام المنتدى، يبقى السؤال المعلق في سماء دافوس الملبدة بالغيوم: هل تنجح “روح الحوار” في ترجمة هذه النقاشات المستفيضة إلى سياسات واقعية؟ أم أن دافوس 2026 سيسجل في التاريخ كمنصة شهدت نعي النظام العالمي القديم دون الاتفاق على ملامح النظام الجديد؟ الإجابة قد لا تكون في البيانات الختامية، بل في ما سيحدث في العواصم والأسواق في الأشهر القادمة، حيث يواجه العالم اختباراً حقيقياً لقدرته على التعايش في عصر يتسم بذكاء الآلات وحماقة الصراعات البشرية.

إقرأ أيضاً من موقعنا: