(الرياض – وكالات)
أعلنت الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية، اليوم الثلاثاء، عن تحقيق “موسم الرياض 2026” أرقاماً قياسية جديدة بكسره حاجز 14 مليون زائر منذ انطلاقه في أكتوبر الماضي، ليؤكد بذلك تحوله من مجرد مهرجان سنوي إلى محرك اقتصادي ضخم ووجهة عالمية رئيسية. وتأتي هذه الأرقام المتصاعدة وسط حراك غير مسبوق تشهده العاصمة الرياض في يناير الجاري، تزامناً مع إعلانات استراتيجية جديدة وشراكات عالمية تعيد صياغة مفهوم السياحة الترفيهية في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تمضي فيه المملكة بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 لتنويع مصادر الدخل.
التفاصيل الميدانية: مناطق جديدة وشراكات عالمية غير مسبوقة
يشهد موسم الرياض في نسخته الحالية (2025-2026) تنوعاً لافتاً في الفعاليات التي دمجت بين التكنولوجيا المتقدمة والتجارب الواقعية، حيث تصدرت منطقة “بيست لاند” (Beast Land)، التي تم تدشينها بالشراكة مع صانع المحتوى العالمي “مستر بيست”، واجهة الأحداث الأكثر جذباً لفئة الشباب والمراهقين. وتعتبر هذه المنطقة الأولى من نوعها في العالم، حيث تقدم تحديات تفاعلية حية تحاكي تلك التي يشاهدها الملايين عبر الإنترنت، مما يعكس ذكاءً استراتيجياً في استقطاب الجيل الرقمي الجديد وتحويل المشاهدات الافتراضية إلى زيارات واقعية تضخ عوائد اقتصادية مباشرة في قلب العاصمة.
وفي سياق التوسع الجغرافي والثقافي للموسم، شهدت منطقة “بوليفارد وورلد” توسعات ضخمة شملت إضافة مناطق دولية جديدة كلياً، أبرزها مناطق مخصصة لإندونيسيا وكوريا الجنوبية والكويت، ليرتفع عدد التجارب الثقافية العالمية التي يمكن للزائر عيشها في مكان واحد. ولم يقتصر الأمر على العرض التقليدي، بل تم دمج تقنيات الواقع المعزز للسماح للزوار بالتفاعل مع المعالم التاريخية لهذه الدول، إضافة إلى افتتاح “بوليفارد فلاورز” التي قدمت تجربة بصرية فريدة بملايين الزهور، مما عزز من جاذبية الموسم للعائلات ومحبي الطبيعة، وليس فقط الباحثين عن الصخب والفعاليات الموسيقية.
وعلى صعيد الأحداث الآنية التي تسيطر على المشهد في يناير 2026، تتجه الأنظار نحو الاستعدادات الضخمة لاستضافة حدث “Fanatics Flag Football Classic” المرتقب في مارس المقبل، والذي أعلن المستشار تركي آل الشيخ مؤخراً عن مشاركة النجم العالمي ترافيس سكوت فيه. ويأتي هذا الإعلان ليعزز مكانة الرياض كمنصة جامعة للرياضة والفن، حيث لم تعد الفعاليات منفصلة، بل باتت تقدم كمنتج ترفيهي هجين يجمع نجوم كرة القدم الأمريكية بنجوم الغناء العالمي، وهو نمط جديد يستهدف جذب السياح من أمريكا الشمالية وأوروبا بشكل مباشر.
الخلفية الاستراتيجية: من الترفيه إلى “فئة أصول” استثمارية
لم يعد المحللون الاقتصاديون ينظرون إلى موسم الرياض باعتباره حدثاً عابراً، بل بات يُصنف كـ “فئة أصول” استثمارية جديدة ضمن المحفظة الاقتصادية السعودية. ففي السابق، كان الهدف هو توفير الترفيه المحلي للحد من التسرب المالي السياحي للخارج، أما اليوم، ومع وصول النسخة السادسة إلى ذروتها، تحول الموسم إلى منصة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وتؤكد التقارير الصادرة عن مؤسسات مالية أن الموسم نجح في خلق بيئة تنافسية للقطاع الخاص، حيث تشارك أكثر من 2100 شركة في تشغيل الفعاليات، 95% منها شركات محلية، مما يعزز من نمو المحتوى المحلي ويرفع من كفاءة سلاسل الإمداد في قطاع الخدمات والضيافة.
ويندرج هذا التحول ضمن الإطار الأوسع لـ “رؤية السعودية 2030” التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي تهدف إلى رفع مساهمة قطاع الترفيه والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي. ويُعد النجاح في استقطاب السياح الدوليين، الذين شكلوا نسبة ملحوظة من إجمالي الـ 14 مليون زائر، مؤشراً قوياً على تغير الصورة الذهنية للمملكة. فالموسم لم يعد يعتمد فقط على الزوار من دول مجلس التعاون الخليجي، بل بدأ يسجل أرقاماً متصاعدة من سياح أوروبا وآسيا، بفضل تسهيلات التأشيرة الإلكترونية والشراكات مع خطوط الطيران ومنصات الحجز العالمية.
علاوة على ذلك، يلعب الموسم دوراً محورياً في القوة الناعمة للمملكة، حيث أصبحت الرياض محطة إلزامية للنجوم العالميين وصناع القرار في قطاعات الرياضة والموسيقى. فاستضافة نزالات الملاكمة العالمية الكبرى، وحفلات الجوائز مثل “Joy Awards 2026” التي كرمت نجوماً عرباً وعالميين، تضع الرياض في مصاف العواصم الثقافية الكبرى. هذا الحضور الدبلوماسي الثقافي يمهد الطريق لاستحقاقات أكبر، أبرزها استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، حيث يعتبر الموسم بمثابة “بروفة” سنوية ضخمة لاختبار البنية التحتية والقدرات التنظيمية.
لغة الأرقام: مؤشرات قياسية وعوائد مليارية
تكشف البيانات الرسمية الصادرة هذا الأسبوع عن قفزات نوعية في مؤشرات الأداء، حيث تجاوزت القيمة السوقية للعلامة التجارية لموسم الرياض حاجز 3.2 مليار دولار (ما يعادل 12 مليار ريال سعودي)، وهو رقم ضخم تم بناؤه في غضون سنوات قليلة. هذا الرقم لا يعكس فقط مبيعات التذاكر، بل يشمل قيم الرعايات التجارية، حقوق البث التلفزيوني للفعاليات الرياضية العالمية، وعوائد البضائع المرخصة. ويشير الخبراء إلى أن العائد غير المباشر على اقتصاد الرياض، من خلال فنادق ومطاعم وخدمات نقل، يتجاوز أضعاف العائد المباشر من التذاكر.
وفيما يخص سوق العمل، تشير التقديرات إلى أن موسم الرياض 2026 ساهم في توفير أكثر من 180 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مما يجعله أحد أكبر المشغلين الموسميين في المنطقة. اللافت في أرقام هذا العام هو ارتفاع نسبة التوطين في الوظائف القيادية والفنية المتخصصة بإدارة الفعاليات وتشغيل التقنيات الصوتية والضوئية، وهو ما يعكس نضجاً في الكوادر السعودية الشابة التي اكتسبت خبرات تراكمية من المواسم الخمسة السابقة، مقللة بذلك الاعتماد على الخبرات الأجنبية المستوردة في التشغيل اليومي للمناطق الترفيهية.
أما على صعيد الزوار، فإن كسر حاجز 14 مليون زائر في يناير يعني أن الموسم يسير بوتيرة أسرع من المتوقع، مع توقعات بتجاوز حاجز 20 مليون زائر بحلول ختامه في مارس 2026. وتظهر التحليلات أن متوسط إنفاق الزائر الواحد قد ارتفع بنسبة تقارب 15% مقارنة بالعام الماضي، ويعزى ذلك إلى طرح تجارب “الرفاهية” (Luxury Experiences) في مناطق مثل “فيا رياض” والمطاعم العالمية الحصرية، التي تجتذب شريحة السياح ذوي الإنفاق العالي، مما يرفع من متوسط العائد الاقتصادي لكل زائر ويدعم قطاع التجزئة الفاخر.
التوقعات المستقبلية: ما بعد مارس 2026
مع اقتراب الموسم من شهره الأخير، تتجه الأنظار إلى “الختاميات” التي وعدت الهيئة العامة للترفيه بأن تكون استثنائية. التوقعات تشير إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد إعلانات عن مشاريع دائمة ستستمر في العمل طوال العام، في خطوة تهدف لإنهاء مفهوم “الموسمية” وتحويل الرياض إلى وجهة سياحية مستدامة لمدة 12 شهراً. ومن المتوقع أن تلعب المناطق الجديدة مثل “بوليفارد رانوي” (Boulevard Runway) ومنطقة الألعاب الإلكترونية دوراً كبيراً في استراتيجية استبقاء الزوار خلال فترات الصيف والربيع، مستفيدة من البنية التحتية المغلقة والمكيفة.
ويرى مراقبون أن نجاح موسم 2026 سيشكل ضغطاً إيجابياً لتسريع وتيرة المشاريع الكبرى الأخرى في العاصمة، مثل تشغيل مسارات جديدة في قطار الرياض ورفع الطاقة الاستيعابية الفندقية التي شهدت ضغطاً هائلاً خلال شهر يناير. وتشير التوقعات العقارية إلى أن المناطق المحيطة بمقار فعاليات الموسم ستشهد ارتفاعاً في القيم الإيجارية والاستثمارية، مما يحفز المطورين العقارين على ضخ المزيد من الاستثمارات في قطاع الضيافة والشقق الفندقية لتلبية الطلب المتزايد والمتوقع للمواسم القادمة.
وفي الختام، يبدو أن موسم الرياض 2026 يؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز الترفيه التقليدي، ليكون جسراً يربط المملكة بالعالم عبر بوابة الاقتصاد الإبداعي. فمع كل فعالية عالمية يتم تنظيمها بنجاح، تترسخ قناعة لدى المجتمع الدولي بجاهزية الرياض لقيادة المشهد الترفيهي والرياضي عالمياً، مما يجعل التوقعات للنسخة السابعة (2026-2027) مرتفعة للغاية، وسط تكهنات بدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل أعمق في تصميم وتخصيص تجربة الزوار المستقبلية.