أزمة “ديربي الرياض” تشتعل: الهلال يلاحق جيسوس قضائياً والنصر يتمسك بالأمل وسط هيمنة إنزاغي

أزمة “ديربي الرياض” تشتعل: الهلال يلاحق جيسوس قضائياً والنصر يتمسك بالأمل وسط هيمنة إنزاغي

(الرياض – وكالات)

لم تنتهِ قمة العاصمة السعودية الكبرى بين الهلال والنصر بصافرة الحكم في ملعب “المملكة أرينا”، بل انتقلت شرارتها لتشعل حرباً كلامية وقانونية غير مسبوقة في تاريخ الدوري السعودي للمحترفين. فبينما يواصل الهلال، تحت قيادة مدربه الإيطالي سيموني إنزاغي، إحكام قبضته الحديدية على صدارة دوري روشن لموسم 2025-2026، يجد النصر نفسه غارقاً في دوامة من الجدل بعد تصريحات مدربه البرتغالي جورجي جيسوس، التي وصفتها إدارة الهلال بـ”الافتراءات الخطيرة”. يأتي هذا التصعيد في وقت حساس جداً من الموسم، حيث يسعى “العالمي” لتقليص الفارق النقطي الذي اتسع إلى سبع نقاط، وسط ترقب جماهيري عالمي لما ستؤول إليه الأمور داخل المستطيل الأخضر وخارجه في الأيام القليلة المقبلة.

تفاصيل الأزمة: من الملعب إلى أروقة القضاء

تحولت أجواء التنافس الرياضي المعتادة إلى أزمة قانونية شائكة بعد المؤتمر الصحفي المثير للجدل الذي عقده البرتغالي جورجي جيسوس، المدير الفني الحالي لنادي النصر، عقب تعثر فريقه مؤخراً وفوز الهلال المتتالي. جيسوس، الذي ألمح في تصريحاته إلى أن غريمه التقليدي الهلال يتمتع بـ”نفوذ قوي” يتجاوز حدود الملعب، فتح باباً واسعاً للتأويلات التي لم تقف عند حد المناكفات الجماهيرية. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، حيث أصدرت شركة نادي الهلال بياناً شديد اللهجة فجر اليوم الثلاثاء، أكدت فيه رفضها القاطع لما وصفته بـ”الإساءات للمشروع الرياضي السعودي”، معلنة عزمها اتخاذ كافة الإجراءات القانونية ورفع شكوى رسمية للجهات المختصة ضد المدرب البرتغالي لحفظ حقوق النادي الأدبية والمعنوية.

في المقابل، لم يقف نادي النصر مكتوف الأيدي أمام الهجوم الهلالي المضاد. فقد سارعت إدارة “العالمي” لإصدار بيان توضيحي ترفض فيه حملات التشكيك التي طالت مدربها، معتبرة أن حديث جيسوس تم إخراجه من سياقه، وأن ما يحدث هو “حملة إعلامية ممنهجة” تهدف لزعزعة استقرار الفريق الذي يحاول العودة للمنافسة. وأشارت مصادر مقربة من البيت النصراوي إلى أن الإدارة القانونية بالنادي تعكف حالياً على إعداد ملف كامل للدفاع عن مدربها أمام لجان الانضباط والأخلاق في حال تم استدعاؤه، مؤكدة أن التصريحات كانت تتحدث عن القوة الفنية والشخصية للفريق المنافس ولم تحمل أي اتهامات بالفساد كما يروج البعض، مما ينذر بمعركة قانونية طويلة الأمد قد تؤثر على تركيز الفريقين في الجولات القادمة.

هذا التوتر المتصاعد ألقى بظلاله الكثيفة على الشارع الرياضي السعودي، حيث انقسم المحللون بين مؤيد لحق الهلال في الدفاع عن سمعته، وبين من يرى أن تصريحات جيسوس هي جزء من “الحرب النفسية” المعتادة في عالم كرة القدم. ويرى مراقبون أن هذه الأزمة قد تكون نقطة تحول في مسار الدوري هذا الموسم، فإما أن تزيد من إصرار لاعبي النصر بقيادة كريستيانو رونالدو على الرد في الملعب، أو أن تؤدي الضغوط الخارجية إلى انهيار التركيز الذهني للفريق، خاصة وأن الهلال بقيادة إنزاغي يبدو في قمة استقراره الفني والإداري، ولا يبدو أنه سيتنازل عن الصدارة بسهولة.

خلفية الديربي: ثلاثية زرقاء ونقطة تحول درامية

بالعودة إلى أصل الحكاية، فإن فوز الهلال الكبير بنتيجة 3-1 في ديربي الجولة الخامسة عشرة، الذي أقيم يوم 12 يناير الجاري، كان الشرارة التي أشعلت الوضع الحالي. المباراة بدأت وسارت في اتجاه مختلف تماماً عما آلت إليه، حيث نجح الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو في وضع النصر في المقدمة بهدف رائع في الدقيقة 42، مانحاً فريقه أفضلية نفسية وفنية مع نهاية الشوط الأول. بدا حينها أن النصر، بتكتيك جيسوس الهجومي، قادر على كسر شوكة الهلال وإلحاق الهزيمة الأولى به هذا الموسم، خاصة مع السيطرة النسبية التي فرضها رفاق ساديو ماني في وسط الميدان خلال النصف الأول من اللقاء.

نقطة التحول الدرامية حدثت في الشوط الثاني، وتحديداً في الدقيقة 57، عندما احتسب حكم المباراة ركلة جزاء لمصلحة الهلال انبرى لها القائد سالم الدوسري بنجاح معلناً التعادل. لكن الكارثة التي قصمت ظهر النصر لم تكن الهدف فحسب، بل الطرد المباشر الذي تلقاه الحارس نواف العقيدي عقب الهدف نتيجة اشتباكه مع لاعبي الهلال، ليضطر النصر لإكمال المباراة بعشرة لاعبين. هذا النقص العددي كان بمثابة هدية ثمينة لكتيبة المدرب سيموني إنزاغي، الذي يُعرف بقدرته الفائقة على إدارة المباريات تكتيكياً، حيث أحكم الهلال قبضته على مجريات اللعب، مستغلاً المساحات الشاسعة التي خلفها تراجع النصر الاضطراري للدفاع.

وفي الدقائق الأخيرة، ترجم الهلال أفضليته المطلقة إلى أهداف حاسمة. حيث سجل البديل محمد كنو هدف التقدم القاتل في الدقيقة 81 بتسديدة قوية، قبل أن يطلق البرتغالي روبن نيفيز رصاصة الرحمة على آمال مواطنيه في النصر بتسجيله الهدف الثالث من ركلة جزاء في الوقت المحتسب بدل الضائع (90+2). هذا الانتصار لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان إعلاناً صريحاً عن تفوق الواقعية التكتيكية لإنزاغي على اندفاع جيسوس، ورسخ عقدة التفوق الهلالي في المواجهات المباشرة الأخيرة، مما زاد من حدة الضغوط على المعسكر الأصفر وأدى إلى الانفجار الإعلامي الذي نعيشه اليوم.

لغة الأرقام: هيمنة مطلقة ومطاردة شاقة

تتحدث لغة الأرقام بوضوح عن الفجوة الفنية والرقمية التي تفصل بين الغريمين في موسم 2025-2026. يتربع الهلال منفرداً على عرش صدارة دوري روشن برصيد 41 نقطة، جمعها من 13 انتصاراً وتعادلين، دون أن يتجرع طعم الخسارة حتى الآن. القوة الضاربة للهلال تكمن في توازنه المرعب، حيث سجل هجومه 40 هدفاً، بينما لم تهتز شباكه سوى 14 مرة، مما يعكس البصمة الدفاعية الصلبة للمدرسة الإيطالية التي أرساها إنزاغي. الفريق يعيش حالة من الاستقرار الفني مكنته من تحقيق سلسلة انتصارات متتالية، كان آخرها الفوز الصعب والمهم على فريق “نيوم” بنتيجة 2-1، ليثبت أن الفريق يعرف كيف يفوز حتى في أسوأ حالاته.

في المقابل، يأتي النصر في المركز الثاني برصيد 34 نقطة، متخلفاً بفارق 7 نقاط كاملة عن المتصدر. ورغم أن النصر يمتلك أقوى خط هجوم في الدوري برصيد 42 هدفاً – يتفوق بهدفين على الهلال – إلا أن معاناته الحقيقية تكمن في الجانب الدفاعي، حيث استقبلت شباكه 17 هدفاً، وهو رقم كبير لفريق ينافس على اللقب. الأرقام تشير أيضاً إلى اعتماد النصر المفرط على الحلول الفردية، حيث يتصدر كريستيانو رونالدو قائمة هدافي الدوري برصيد 15 هدفاً، يليه زميله جواو فيليكس بـ 13 هدفاً، مما يعني أن الثنائي البرتغالي سجل ما يقارب 66% من أهداف الفريق، وهي إحصائية مقلقة تكشف عن غياب الحلول الجماعية مقارنة بتنوع مصادر الخطورة في الهلال.

الفارق النقطي (7 نقاط) في هذه المرحلة من الموسم يعتبر هاجساً كبيراً للنصراويين، تاريخياً، من الصعب تعويض مثل هذا الفارق أمام فريق يتمتع بثبات الهلال، خاصة وأن “الزعيم” لم يفقد أي نقطة أمام الفرق المنافسة المباشرة. الإحصائيات تظهر أيضاً تفوق الهلال في دقة التمرير والاستحواذ في الثلث الأخير من الملعب، بينما يتفوق النصر في عدد التسديدات على المرمى ولكن بفعالية أقل. هذه البيانات الرقمية تضع المدرب جيسوس أمام حقيقة مرة: اللعب الجمالي والهجومي لا يكفي وحده لانتزاع اللقب من بين أنياب فريق يلعب بواقعية وانضباط تكتيكي صارم.

التوقعات ومستقبل الصراع: هل حُسم اللقب؟

رغم الفارق النقطي المريح نسبياً للهلال، إلا أن الدوري لا يزال طويلاً ومليئاً بالمطبات الصعبة. التوقعات تشير إلى أن الجولات القادمة ستكون بمثابة “تكسير عظام”، حيث سيسعى الهلال للحفاظ على سجله الخالي من الهزائم لقتل طموح المنافسين مبكراً. الخبراء يرون أن الاختبار الحقيقي لإنزاغي سيكون في كيفية التعامل مع ضغط المباريات المتوالي في البطولات المحلية والآسيوية، ومدى قدرته على تدوير اللاعبين دون الإخلال بتوازن الفريق. عودة نيمار التدريجية للمشاركة قد تكون سلاحاً ذو حدين؛ فإما أن تضيف قوة هائلة للهجوم، أو تؤثر على المنظومة الدفاعية الصارمة التي بناها المدرب الإيطالي.

بالنسبة للنصر، فإن هامش الخطأ بات معدوماً تماماً. الفريق مطالب بالفوز في جميع مبارياته المقبلة وانتظار تعثر الهلال، وهو سيناريو لا يملكه النصر بيده. التوقعات الفنية تشير إلى أن جيسوس قد يضطر لتغيير أسلوبه المندفع واعتماد نهج أكثر توازناً لتأمين النقاط، خاصة في المباريات الخارجية. كما أن الأزمة القانونية الحالية مع الهلال قد تكون دافعاً سلبياً يشتت تركيز اللاعبين، أو دافعاً إيجابياً يوحد غرفة الملابس تحت شعار “نحن ضد الجميع”. مباراة النصر القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لمدى صلابة الفريق الذهنية وقدرته على تجاوز آثار الديربي والأزمة الإدارية.

ختاماً، يبدو أن صراع موسم 2026 لن يُحسم إلا في الأمتار الأخيرة، رغم الأفضلية الزرقاء الحالية. دخول أطراف أخرى في المنافسة مثل الأهلي والتعاون قد يلعب دوراً حاسماً في تحديد هوية البطل، حيث يمكن لهذه الفرق أن تلعب دور “صانع الملوك” من خلال عرقلة أحد المتنافسين. لكن يبقى السؤال الأبرز: هل ينجح الدهاء الإيطالي لإنزاغي في قيادة الهلال لبر الأمان واستعادة اللقب، أم أن شغف رونالدو وخبرة جيسوس (رغم مشاكله) سيقلبان الطاولة في “ريمونتادا” تاريخية ستظل عالقة في الأذهان طويلاً؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

إقرأ أيضاً من موقعنا: