(القاهرة – رويترز) – شهدت أسواق الصرف في مصر، اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026، حالة من الاستقرار الملحوظ في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري، مدعومة بتدفقات نقدية قوية واحتياطيات أجنبية تاريخية لدى البنك المركزي المصري. وتأتي هذه التداولات الهادئة وسط تلاشي شبه كامل للمضاربات في السوق الموازية، مما يعكس نجاح السياسات النقدية التي انتهجتها القاهرة على مدار العامين الماضيين لتوحيد سعر الصرف والقضاء على التشوهات السعرية التي كانت تعصف بالاقتصاد.
تفاصيل أسعار الصرف وتحركات السوق المصرفية
استقرت شاشات التداول في البنوك المصرية الحكومية والخاصة عند مستويات متقاربة للغاية، حيث سجل سعر الدولار في البنك الأهلي المصري وبنك مصر -أكبر بنكين حكوميين في البلاد- مستوى 47.36 جنيه للشراء و47.46 جنيه للبيع. ويعتبر هذا السعر مؤشراً مرجعياً رئيسياً للسوق، نظراً للحصة السوقية الضخمة التي يستحوذ عليها هذان البنكان في تمويل العمليات الاستيرادية وتدبير النقد الأجنبي للعملاء. ويأتي هذا الثبات السعري بعد سلسلة من التحركات الطفيفة خلال الأسابيع الماضية التي تراوحت في نطاق ضيق لا يتجاوز 10 قروش صعوداً وهبوطاً، مما يعكس آلية العرض والطلب الحقيقية.
وفي القطاع المصرفي الخاص، لم تختلف الصورة كثيراً، حيث سجل البنك التجاري الدولي (CIB)، أكبر بنك خاص في مصر، سعراً مماثلاً عند 47.36 جنيه للشراء، بينما سجلت بنوك أخرى مثل مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك الإسكندرية مستويات تقارب 47.40 جنيه للشراء. وتؤكد هذه الفروقات الطفيفة جداً (التي لا تتعدى القروش المعدودة) على توافر السيولة الدولارية داخل القنوات الرسمية، وقدرة البنوك على تلبية طلبات فتح الاعتمادات المستندية للمستوردين دون تأخير، وهو ما كان يمثل التحدي الأكبر للاقتصاد المصري قبل عام 2024.
على الجانب الآخر، تراجعت هيمنة “السوق السوداء” بشكل غير مسبوق، حيث تشير التقارير الميدانية إلى أن التعاملات غير الرسمية باتت تتم في نطاق ضيق للغاية وبأسعار تدور حول 47.90 جنيه، أي بفارق ضئيل جداً لا يتجاوز 1.5% عن السعر الرسمي. هذا التقارب الحاد في السعرين جعل من اللجوء للسوق الموازية خياراً غير مجدٍ اقتصادياً للمستوردين أو الأفراد، خاصة مع المخاطر الأمنية والقانونية، ومع توافر الدولار في البنوك للأغراض المشروعة مثل السفر والتعليم والعلاج والاستيراد الأساسي، مما وجه ضربة قاصمة للمضاربين الذين خسروا رهاناتهم على انهيار العملة.
الخلفية الاقتصادية: ثمار الإصلاح الهيكلي وصفقة رأس الحكمة
لا يمكن قراءة مشهد اليوم بمعزل عن التحولات الدراماتيكية التي شهدها الاقتصاد المصري منذ مطلع عام 2024. فقد شكلت صفقة “رأس الحكمة” التاريخية، التي ضخت استثمارات إماراتية مباشرة بقيمة 35 مليار دولار، نقطة التحول الرئيسية التي مكنت البنك المركزي من استعادة السيطرة على سوق الصرف. تلا ذلك اتفاق موسع مع صندوق النقد الدولي، سمح بزيادة التمويل الممنوح لمصر، مما وفر غطاءً نقدياً سمح بتحرير سعر الصرف والقضاء على تعدد الأسعار، وهي الخطوة التي وصفها المحللون بأنها “الجراحة الضرورية” التي مهدت الطريق للاستقرار الحالي في عام 2026.
وقد تزامنت هذه التدفقات مع سياسة نقدية متشددة اتبعها البنك المركزي المصري، تمثلت في رفع أسعار الفائدة لمستويات قياسية خلال 2024 و2025 لامتصاص السيولة وكبح التضخم، قبل أن يبدأ في التخفيف التدريجي مع تحسن المؤشرات. وقد ساهمت هذه السياسات في استعادة ثقة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية (أذون الخزانة)، وعودة “الأموال الساخنة” ولكن بوتيرة أكثر انضباطاً، مما عزز من المعروض الدولاري في السوق المحلي وساهم في تمويل الفجوة التمويلية دون الضغط على الاحتياطيات الاستراتيجية.
وعلاوة على ذلك، نجحت الحكومة المصرية في الإفراج عن البضائع المتكدسة في الموانئ، مما أدى إلى دوران عجلة الإنتاج وتوافر السلع في الأسواق، وهو ما انعكس إيجاباً على معدلات التضخم التي تراجعت من مستوياتها التاريخية التي تجاوزت 35% في السابق، لتستقر عند مستويات أحادية أو عشرية منخفضة في مطلع 2026. هذا التحسن في البيئة الاقتصادية الكلية جعل من سعر 47-48 جنيهاً للدولار نقطة توازن مقبولة للقطاع الخاص، تضمن تنافسية الصادرات المصرية وفي الوقت ذاته لا ترهق كاهل المستهلك بارتفاعات جنونية في الأسعار.
لغة الأرقام: احتياطيات تاريخية وتحويلات قياسية
تتحدث الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري بلغة التفاؤل الحذر، حيث قفز صافي الاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي ليسجل أعلى مستوى في تاريخه بنهاية ديسمبر 2025، وصولاً إلى ما يقارب 51.45 مليار دولار. هذا الرقم الضخم يغطي واردات مصر السلعية لأكثر من 8 أشهر، وهو معدل يتجاوز بكثير المعايير العالمية للسلامة النقدية. ويعزى هذا الارتفاع المستمر إلى تنوع مصادر النقد الأجنبي، وزيادة حصيلة الصادرات غير البترولية، فضلاً عن الطفرة في إيرادات قطاع السياحة الذي تعافى تماماً من التوترات الجيوسياسية الإقليمية.
وفي سياق متصل، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تعد أحد أهم روافد العملة الصعبة للبلاد، تعافياً مذهلاً لتعود إلى معدلاتها الطبيعية وتتجاوز حاجز الـ 36 مليار دولار سنوياً. وجاءت عودة الثقة في النظام المصرفي كعامل حاسم في هذا الملف، حيث أدرك المغتربون أن سعر البنك هو السعر الحقيقي والعادل، مما شجعهم على توجيه تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية بدلاً من السماسرة وتجار العملة، مما عزز من السيولة الدولارية لدى البنوك ومكنها من تلبية طلبات الشركات والأفراد.
كما أظهرت بيانات ميزان المدفوعات تحسناً في صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، محققاً فائضاً يتجاوز 13 مليار دولار، بعد أن كان يعاني من عجز مزمن لسنوات. هذا الفائض يعكس قدرة البنوك المصرية ليس فقط على الوفاء بالتزاماتها، بل وتكوين مراكز مالية قوية بالعملة الأجنبية تمكنها من مواجهة أي صدمات خارجية محتملة. يأتي ذلك بالتزامن مع انتظام مصر في سداد أقساط الديون الخارجية وفوائدها في مواعيدها المحددة، مما أدى إلى تحسين التصنيف الائتماني للبلاد من قبل وكالات التصنيف العالمية الكبرى.
التوقعات المستقبلية: استقرار مدعوم برؤية 2030
ينظر الخبراء والمحللون الماليون إلى مستقبل سعر الصرف في مصر خلال عام 2026 بنظرة إيجابية تتسم بالاستقرار النسبي. وتشير توقعات بنوك الاستثمار العالمية، مثل جولدمان ساكس ومورجان ستانلي، إلى أن الجنيه المصري من المرجح أن يتحرك في نطاق ضيق بين 47 و50 جنيهاً للدولار خلال العام الجاري. ويعتمد هذا السيناريو على استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، بالإضافة إلى التزام الحكومة ببرنامج الطروحات الحكومية الذي يجذب سيولة دولارية جديدة.
ويرى المحللون أن البنك المركزي المصري سيستمر في تطبيق سياسة “سعر الصرف المرن المدار”، والتي تسمح للعملة بالتحرك وفقاً لآليات السوق صعوداً وهبوطاً دون تدخلات إدارية حادة، مما يحمي الاحتياطي النقدي ويمنع تراكم الاختلالات. كما يتوقع أن يساهم انضمام مصر لتكتل “بريكس” وتفعيل الاتفاقيات التجارية بالعملات المحلية مع شركاء تجاريين رئيسيين في تخفيف الضغط والطلب على الدولار الأمريكي في المدى المتوسط والطويل.
ختاماً، يبدو أن عام 2026 سيكون عام “جني الثمار” للاقتصاد المصري فيما يخص ملف سعر الصرف، حيث تشير كافة المعطيات إلى انتهاء عصر التقلبات العنيفة والقفزات السعرية المفاجئة. ومع ذلك، يظل الحذر واجباً في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار النفط والغذاء، إلا أن الاقتصاد المصري بات يمتلك اليوم مصدات مالية ونقدية أقوى بكثير مما كان عليه الوضع قبل عامين، مما يجعله أكثر قدرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على استقرار عملته الوطنية.